أَمْرُ عُمَرُ ؟ مَعَ عِلْمِ النَّاسِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَعْلَمُهُمْ مِنْ فَوْقِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَوَجَبَ أَنْ يَعْرِضَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَيَبْقَى كُلُّ إمَامٍ فِي أَتْبَاعِهِ بِمَنْزِلَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ ، وَهَذَا تَبْدِيلٌ لِلدِّينِ يُشْبِهُ مَا عَابَ اللَّهُ بِهِ النَّصَارَى فِي قَوْلِهِ : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهاً وَاحِداً لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
1048 - 24 مَسْأَلَةٌ : فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِالْحَسَنَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ } الْحَدِيثَ .
فَإِذَا كَانَ الْهَمُّ سِرّاً بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَكَيْفَ تَطَّلِعُ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِ ؟
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ قَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، قَالَ : إنَّهُ إذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ شَمَّ الْمَلَكُ رَائِحَةً طَيِّبَةً ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ شَمَّ رَائِحَةً خَبِيثَةً ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ يُعْلِمَ الْمَلَائِكَةَ بِمَا فِي نَفْسِ الْعَبْدِ كَيْفَ شَاءَ ، كَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُطْلِعَ بَعْضَ الْبَشَرِ عَلَى مَا فِي الْإِنْسَانِ فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْبَشَرِ قَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْكَشْفِ مَا يَعْلَمُ بِهِ أَحْيَانَا مَا فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ ، فَالْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالْعَبْدِ أَوْلَى بِأَنْ يُعَرِّفَهُ اللَّهُ ذَلِكَ .
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَلَائِكَةُ ، وَاَللَّهُ قَدْ جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ تُلْقِي فِي نَفْسِ الْعَبْدِ الْخَوَاطِرَ ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ : إنْ لِلْمَلَكِ لَمَّةً فَلَمَّةُ الْمَلَكِ تَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ وَوَعْدٌ بِالْخَيْرِ ، وَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ تَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَإِبْعَادٌ بِالشَّرِّ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّهُ قَالَ : { مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَقَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ قَالُوا : وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَأَنَا ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَلَا يَأْمُرُنِي إلَّا بِخَيْرٍ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 127
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٧