فَمِثْلُ هَذَا وَحْدَهُ لَا يَكُونُ عُذْراً فِي تَرْكِ النَّصِّ ، فَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا كَتَبْنَاهُ فِي " رَفْعِ الْمَلَامِ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ " نَحْوَ عِشْرِينَ عُذْراً لِلْأَئِمَّةِ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ لِبَعْضِ الْحَدِيثِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُمْ يُعْذَرُونَ فِي التَّرْكِ لِتِلْكَ الْأَعْذَارِ ، وَأَمَّا نَحْنُ فَمَعْذُورُونَ فِي تَرْكِنَا لِهَذَا الْقَوْلِ .
فَمَنْ تَرَكَ الْحَدِيثَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يُخَالِفُهُ وَأَنَّ نَصَّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّوَاهِرِ ، وَمُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَالْعَمَلِ ، لَمْ يَكُنْ عُذْرُ ذَلِكَ الرَّجُلِ عُذْراً فِي حَقِّهِ ، فَإِنَّ ظُهُورَ الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْأَذْهَانِ وَخَفَاءَهَا عَنْهَا أَمْرٌ لَا يَنْضَبِطُ طَرَفَاهُ ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ التَّارِكُ لِلْحَدِيثِ مُعْتَقِداً أَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، الَّذِينَ يُقَالُ إنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ الْحَدِيثَ إلَّا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مُعَارَضٌ بِرَاجِحٍ ، وَقَدْ بَلَغَ مَنْ بَعْدَهُ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ لَمْ يَتْرُكُوهُ ، بَلْ عَمِلَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ، أَوْ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْدَحُ فِي هَذَا الْمُعَارِضِ لِلنَّصِّ .
وَإِذَا قِيلَ لِهَذَا الْمُسْتَهْدِي الْمُسْتَرْشِدِ : أَنْتَ أَعْلَمُ أَمْ الْإِمَامُ الْفُلَانِيُّ ، كَانَتْ هَذِهِ مُعَارَضَةٌ فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ الْفُلَانِيَّ قَدْ خَالَفَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْ هُوَ نَظِيرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَى نِسْبَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأُبَيُّ ، وَمُعَاذٍ ، وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، فَكَمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءُ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ ، وَإِذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ يَكُونُ أَعْلَمُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ ، فَكَذَلِكَ مَوَارِدُ النِّزَاعِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ تَرَكَ النَّاسُ قَوْلَ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي مَسْأَلَةِ تَيَمُّمِ الْجُنُبِ ، وَأَخَذُوا بِقَوْلِ مَنْ هُوَ دُونَهُمَا : كَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَغَيْرِهِ ، لَمَّا احْتَجَّ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَتَرَكُوا قَوْلَ عُمَرَ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ ، وَأَخَذُوا بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ لِمَا كَانَ مَعَهُ السُّنَّةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ } .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُنَاظِرُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي الْمُتْعَةِ فَقَالَ لَهُ قَالَ : أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاءِ ، أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَتَقُولُونَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، ؟ وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنْهَا فَأَمَرَ بِهَا فَعَارَضُوا بِقَوْلِ عُمَرَ ، فَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يُرِدْ مَا يَقُولُونَهُ ، فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ : أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا أَمْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 126
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٦