تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
مُطْلَقاً ، وَقِيلَ : يَجُوزُ مُطْلَقاً . وَقِيلَ : يَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، كَمَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ . وَالِاجْتِهَادُ لَيْسَ هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ وَالِانْقِسَامَ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ مُجْتَهِداً فِي فَنٍّ ، أَوْ بَابٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ دُونَ فَنٍّ ، وَبَابٍ ، وَمَسْأَلَةٍ ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَاجْتِهَادُهُ بِحَسَبِ وُسْعِهِ . فَمَنْ نَظَرَ فِي مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا وَرَأَى مَعَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ نُصُوصاً لَمْ يَعْلَمْ لَهَا مُعَارِضاً بَعْدَ نَظَرِ مِثْلِهِ ، فَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَتَّبِعَ قَوْلَ الْقَائِلِ الْآخَرِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ الْإِمَامَ الَّذِي اشْتَغَلَ عَلَى مَذْهَبِهِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ ، بَلْ مُجَرَّدُ عَادَةٍ يُعَارِضُهَا عَادَةُ غَيْرِهِ اشْتِغَالَهُ عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ آخَرَ ، وَإِمَّا أَنْ يَتَّبِعَ الْقَوْلَ الَّذِي تَرَجَّحَ فِي نَظَرِهِ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ . وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لِإِمَامٍ يُقَاوِمُ ذَلِكَ الْإِمَامَ وَتَبْقَى النُّصُوصُ سَالِمَةً فِي حَقِّهِ عَنْ الْمُعَارِضِ بِالْعَمَلِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ . وَإِنَّمَا تَنَزَّلْنَا هَذَا التَّنَزُّلَ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ : إنَّ نَظَرَ هَذَا قَاصِرٌ وَلَيْسَ اجْتِهَادُهُ قَائِماً فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِضَعْفِ آلَةٍ الِاجْتِهَادِ فِي حَقِّهِ . أَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ التَّامِّ الَّذِي يَعْتَقِدُ مَعَهُ أَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ النَّصَّ ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ النُّصُوصِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ مُتَّبِعاً لِلظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ، وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ الْعُصَاةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ بِخِلَافِ مَنْ قَدْ يَقُولُ : قَدْ يَكُونُ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ حُجَّةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى هَذَا النَّصِّ وَأَنَا لَا أَعْلَمُهَا ، فَهَذَا يُقَالُ لَهُ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } وَقَالَ النَّبِيُّ : { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } وَاَلَّذِي تَسْتَطِيعُهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدْ دَلَّكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الرَّاجِحُ فَعَلَيْكَ أَنْ تَتَّبِعَ ذَلِكَ ، ثُمَّ إنْ تَبَيَّنَ لَك فِيمَا بَعْدُ أَنَّ لِلنَّصِّ مُعَارِضاً رَاجِحاً كَانَ حُكْمُكَ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ ، إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَانْتِقَالُ الْإِنْسَانِ مِنْ قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ لِأَجْلِ مَا تَبَيَّنَ مِنْ الْحَقِّ هُوَ مَحْمُودٌ فِيهِ ، بِخِلَافِ إصْرَارِهِ عَلَى قَوْلٍ لَا حُجَّةَ مَعَهُ عَلَيْهِ ، وَتَرْكُ الْقَوْلِ الَّذِي تَوَضَّحَتْ حُجَّتُهُ ، أَوْ الِانْتِقَالُ عَنْ قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ لِمُجَرَّدِ عَادَةٍ وَاتِّبَاعِ هَوًى ، فَهَذَا مَذْمُومٌ . وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ الْمُقَلَّدُ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَرَكَهُ ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ قَدْ رَوَاهُ أَيْضاً
الفتاوى الكبرى — صفحة 125 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا