تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
وَقَالَ النَّبِيُّ : { مَنْ أَصْبَحَ وَالدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ : شَتَّتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إلَّا مَا كُتِبَ لَهُ ، وَمَنْ أَصْبَحَ وَالْآخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّهِ : جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ } . 1051 - 27 مَسْأَلَةٌ : فِي الذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ هَلْ لَهَا حَدٌّ تُعْرَفُ بِهِ ؟ وَهَلْ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهَا سَبْعٌ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ صَحِيحٌ ؟ أَوْ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهَا مَا اتَّفَقَتْ فِيهَا الشَّرَائِعُ - أَعْنِي عَلَى تَحْرِيمِهَا - أَوْ إنَّهَا مَا تَسُدُّ بَابَ الْمَعْرِفَةِ بِاَللَّهِ ، أَوْ إنَّهَا تُذْهِبُ الْأَمْوَالَ وَالْأَبْدَانَ ، أَوْ إنَّهَا إنَّمَا سُمِّيَتْ كَبَائِرَ بِالنِّسْبَةِ وَالْإِضَافَةِ إلَى مَا دُونَهَا ، أَوْ إنَّهَا لَا تُعْلَمُ أَصْلاً وَأُبْهِمَتْ كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، أَوْ مَا يَحْكِي بَعْضُهُمْ أَنَّهَا إلَى التِّسْعِينَ أَقْرَبُ ، أَوْ كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ كَبِيرٌ . أَوْ إنَّهَا مَا رَتَّبَ عَلَيْهَا حَدّاً وَمَا تَوَعَّدَ عَلَيْهَا بِالنَّارِ . الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، أَمْثَلُ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَوْلُ الْمَأْثُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَهُوَ أَنَّ الصَّغِيرَةَ مَا دُونَ الْحَدَّيْنِ : حَدِّ الدُّنْيَا وَحَدِّ الْآخِرَةِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مَا لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ كُلُّ ذَنْبٍ خُتِمَ بِلَعْنَةٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ نَارٍ فَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ . وَمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ : وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فِي الدُّنْيَا وَلَا وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ ، أَيْ وَعِيدٌ خَاصٌّ كَالْوَعِيدِ بِالنَّارِ وَالْغَضَبِ وَاللَّعْنَةِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَعِيدَ الْخَاصَّ فِي الْآخِرَةِ كَالْعُقُوبَةِ الْخَاصَّةِ فِي الدُّنْيَا ، فَكَمَا أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِي الْعُقُوبَاتِ الْمَشْرُوعَةِ لِلنَّاسِ بَيْنَ الْعُقُوبَاتِ الْمُقَدَّرَةِ بِالْقَطْعِ وَالْقَتْلِ ، وَجَلْدِ مِائَةٍ أَوْ ثَمَانِينَ ، وَبَيْنَ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُقَدَّرَةٍ وَهِيَ التَّعْزِيرُ ، فَكَذَلِكَ يُفَرَّقُ فِي الْعُقُوبَاتِ الَّتِي يُعِزُّ اللَّهُ بِهَا الْعِبَادَ فِي غَيْرِ أَمْرِ الْعِبَادِ بِهَا بَيْنَ الْعُقُوبَاتِ الْمُقَدَّرَةِ كَالْغَضَبِ ، وَاللَّعْنَةِ ، وَالنَّارِ ، وَبَيْنَ الْعُقُوبَاتِ الْمُطْلَقَةِ . وَهَذَا الضَّابِطُ يَسْلَمُ مِنْ الْقَوَادِحِ الْوَارِدَةِ عَلَى غَيْرِهِ ؛ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ كُلُّ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ : كَالشِّرْكِ ، وَالْقَتْلِ ، وَالزِّنَا ، وَالسِّحْرِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ الَّتِي فِيهَا عُقُوبَاتٌ مُقَدَّرَةٌ مَشْرُوعَةٌ ، وَكَالْفِرَارِ مِنْ