قَوْلُهُ : { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَمَلُ هُنَا مَعْلُوماً أَوْ مَجْهُولاً وَكَانَ الْأَجْرُ مَعْلُوماً أَوْ مَجْهُولاً لَازِماً أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ : الْإِجَارَةُ الَّتِي هِيَ جَعَالَةٌ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ النَّفْعُ غَيْرَ مَعْلُومٍ ، لَكِنْ الْعِوَضُ مَضْمُونٌ فَيَكُونُ عَقْداً نَاجِزاً غَيْرَ لَازِمٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا فَقَدْ يَزِدْهُ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ أَوْ قَرِيبٍ .
الثَّالِثَةُ : الْإِجَارَةُ الْخَاصَّةُ وَهِيَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَيْناً أَوْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ بِحَيْثُ تَكُونُ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً فَيَكُونُ الْأَجْرُ مَعْلُوماً وَالْإِجَارَةُ لَازِمَةً ، وَهَذِهِ الْإِجَارَةُ الَّتِي تُشْبِهُ الْبَيْعَ فِي عَامَّةِ أَحْكَامِهِ .
وَالْفُقَهَاءُ الْمُتَأَخِّرُونَ إذَا أَطْلَقُوا الْإِجَارَةَ أَوْ قَالُوا بَابُ الْإِجَارَةِ أَرَادُوا هَذَا الْمَعْنَى ، فَيُقَالُ : الْمُسَاقَاةُ ، وَالْمُزَارَعَةُ ، وَالْمُضَارَبَةُ ، وَنَحْوُهُنَّ مِنْ الْمُشَارَكَاتِ عَلَى مَا يَحْصُلُ ، مَنْ قَالَ هِيَ إجَارَةٌ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ أَوْ الْعَامِّ فَقَدْ صَدَقَ ، وَمَنْ قَالَ هِيَ إجَارَةٌ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَإِذَا كَانَتْ إجَارَةً بِالْمَعْنَى الْعَامِّ الَّتِي هِيَ الْجَعَالَةُ ، فَهُنَالِكَ إنْ كَانَ الْعِوَضُ شَيْئاً مَضْمُوناً مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُوماً ، وَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مِمَّا يَحْصُلُ مِنْ الْعَمَلِ جَازَ أَنْ يَكُونَ جُزْءاً شَائِعاً ، كَمَا لَوْ قَالَ الْأَمِيرُ فِي الْغَزْوِ مَنْ دَلَّنَا عَلَى حِصْنِ كَذَا فَلَهُ مِنْهُ كَذَا ، فَحُصُولُ الْجَعْلِ هُنَاكَ الْمَشْرُوطُ بِحُصُولِ الْمَالِ ، مَعَ أَنَّهُ جَعَالَةٌ مَحْضَةٌ لَا شَرِكَةَ فِيهِ فَالشَّرِكَةُ أَوْلَى وَأَحْرَى ، وَتَسْلُكُ طَرِيقَةً أُخْرَى فَيُقَالُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قِيَاسُ الْأُصُولِ أَنَّ الْإِجَارَةَ الْخَاصَّةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْعِوَضُ غَرَراً قِيَاساً عَلَى الثَّمَنِ .
فَأَمَّا الْإِجَارَةُ الْعَامَّةُ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ بِالْمَنْفَعَةِ فَلَا تُشْبِهُ هَذِهِ الْإِجَارَةَ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهَا بِهَا فَتَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ الْمُبِيحِ ، فَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُعْتَقِدَ لِكَوْنِهَا إجَارَةً يَسْتَفْسِرُ عَنْ مُرَادِهِ بِالْإِجَارَةِ ، فَإِنْ أَرَادَ الْخَاصَّةَ لَمْ يَصِحَّ ، وَإِنْ أَرَادَ الْعَامَّةَ فَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهَا إلَّا بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ ، فَإِنْ ذَكَرَ قِيَاساً بَيَّنَ لَهُ الْفَرْقَ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى غَيْرِ فَقِيهٍ فَضْلاً عَنْ الْفَقِيهِ ، وَأَنْ يَجِدَ إلَى أَمْرٍ يَشْمَلُ مِثْلَ هَذِهِ الْإِجَارَةِ سَبِيلاً فَإِذَا انْتَفَتْ أَدِلَّةُ التَّحْرِيمِ ثَبَتَ الْحِلُّ ، وَسَلَكَ مِنْ هَذَا فِي طَرِيقَةٍ أُخْرَى
الفتاوى الكبرى — صفحة 63
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٣