تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
لَنَا ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يَجْعَلَهُ مُضَارَبَةً . وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَوْجُودَةٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ، هَلْ يَكُونُ الرِّبْحُ فِيمَنْ اتَّجَرَ بِمَالُ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِرَبِّ الْمَالِ أَوْ لِلْعَامِلِ أَوْ لَهُمَا ، ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ، وَأَحْسَنُهَا وَأَقْيَسُهَا أَنْ يَكُونَ مُشْتَرِكاً بَيْنَهُمَا كَمَا قَضَى بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ النَّمَاءَ يَتَوَلَّدُ عَنْ الْأَصْلَيْنِ ، وَإِذَا كَانَ أَصْلُ الْمُضَارَبَةِ الَّذِي اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ وَعَوَاقِبُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الشَّرِكَةِ فَأَخْذُ مِثْلِ الدَّرَاهِمِ يَجْرِي مَجْرَى عَيْنِهَا ، وَلِهَذَا سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ الْقَرْضَ مَنِيحَةً يُقَالُ مَنِيحَةُ وَرِقٍ وَتَقُولُ النَّاسُ أَعِرْنِي دَرَاهِمَك ، يَجْعَلُونَ رَدَّ مِثْلِ هَذَا الدَّرَاهِمِ كَرَدِّ عَيْنِ الْعَارِيَّةِ ، وَالْمُقْتَرِضُ انْتَفَعَ فِيهَا وَرَدَّهَا ، وَسَمَّوْا الْمُضَارَبَةَ قِرَاضاً ؛ لِأَنَّهَا فِي الْمُقَابَلَاتِ نَظِيرَ الْقَرْضِ فِي التَّبَرُّعَاتِ . وَيُقَالُ أَيْضاً لَوْ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْفَرْقِ مُؤَثِّراً لَكَانَ اقْتِضَاؤُهُ لِتَجْوِيزِ الْمُزَارَعَةِ دُونَ الْمُضَارَبَةِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ ؛ لِأَنَّ النَّمَاءَ إذَا حَصَلَ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلَيْنِ كَانَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ حُصُولِهِ مَعَ ذَهَابِ أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ قِيلَ الزَّرْعُ نَمَاءُ الْأَرْضِ دُونَ الْبَذْرِ فَقَدْ يُقَالُ الرِّبْحُ نَمَاءُ الْعَامِلِ دُونَ الدَّرَاهِمِ أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ بَلْ الزَّرْعُ حَصَلَ بِمَنْفَعَةِ الْأَرْضِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ ، وَمَنْفَعَةِ بَدَنِ الْعَامِلِ وَالْبَقَرِ وَالْحَدِيدِ ، ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُضَارَبَةِ فَرْقاً فَلَا رَيْبَ أَنَّهَا بِالْمُضَارَبَةِ أَشْبَهُ مِنْهَا بِالْمُؤَاجَرَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاجَرَةَ الْمَقْصُودَ فِيهَا هُوَ الْعَمَلُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُوماً وَالْأُجْرَةُ مَضْمُونَةٌ فِي الذِّمَّةِ أَوْ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ ، وَهُنَا لَيْسَ الْمَقْصُودُ إلَّا النَّمَاءُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَمَلِ ، وَالْأُجْرَةُ لَيْسَتْ عَيْناً وَلَا شَيْئاً فِي الذِّمَّةِ . وَإِنَّمَا هِيَ بَعْضُ مَا يَحْصُلُ مِنْ النَّمَاءِ ، وَلِهَذَا مَتَى عُيِّنَ فِيهَا شَيْءٌ تَعَيَّنَ الْعَقْدُ كَمَا تَفْسُدُ الْمُضَارَبَةُ إذَا شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا رِبْحاً مُعَيَّناً أَوْ أُجْرَةً مَعْلُومَةً فِي الذِّمَّةِ ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي الْغَايَةِ فَإِذَا كَانَتْ بِالْمُضَارَبَةِ فَضَعِيفٌ ، وَاَلَّذِي بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُؤَاجَرَةِ فُرُوقٌ مُؤَثِّرَةٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ ، وَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ إلْحَاقِهَا بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ فَإِلْحَاقُهَا بِمَا هِيَ بِهِ أَشْبَهُ أَوْلَى وَهَذَا أَجْلَى مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إلَى إطْنَابٍ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنْ نَقُولَ لَفْظُ الْإِجَارَةِ فِيهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ ، فَإِنَّهَا عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ : أَحَدُهَا : أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ مَنْ بَدَّلَ نَفْعاً لِعِوَضٍ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمَهْرُ ، كَمَا فِي