تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
وَبَدَنِ بَقَرِهِ وَحَدِيدِهِ ، هُوَ مِثْلُ مَنْفَعَةِ أَرْضِ الْمَالِكِ وَشَجَرِهِ لَيْسَ مَقْصُودُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةِ الْآخَرِ . وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُمَا جَمِيعاً مَا يَتَوَلَّدُ مِنْ اجْتِمَاعِ الْمَنْفَعَتَيْنِ ، فَإِنْ حَصَلَ نَمَاءٌ اشْتَرَكَا فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ نَمَاءٌ ذَهَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَنْفَعَتُهُ ، فَيَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْنَمِ وَفِي الْمَغْرَمِ كَسَائِرِ الْمُشْتَرِكِينَ فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ نَمَاءِ الْأُصُولِ الَّتِي لَهُمْ . وَهَذَا جِنْسٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ يُخَالِفُ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَقْصُودِهِ وَحُكْمِهِ الْإِجَارَةَ الْمَحْضَةَ ، وَمَا فِيهِ مِنْ شَوْبِ الْمُعَاوَضَةِ مِنْ جِنْسِ مَا فِي الشَّرِكَةِ مِنْ شَوْبِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَإِنَّ التَّصَرُّفَاتِ الْعَدْلِيَّةَ فِي الْأَرْضِ جِنْسَانِ مُعَاوَضَاتٌ وَمُشَارَكَاتٌ ، فَالْمُعَاوَضَاتُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْمُشَارَكَاتُ شَرِكَةُ الْأَمْلَاكِ وَشَرِكَةُ الْعَقْدِ ، يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اشْتِرَاكُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ ، وَاشْتِرَاكُ النَّاسِ فِي الْمُبَاحَاتِ كَمَنَافِعِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ الْمُبَاحَةِ وَالطُّرُقَاتِ وَمَا يَحْيَا مِنْ الْمَوَاتِ ، أَوْ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَاشْتِرَاكُ الْوَرَثَةِ فِي الْمِيرَاثِ وَاشْتِرَاكُ الْمُوصَى لَهُمْ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ ، وَاشْتِرَاكُ التُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ شَرِكَةَ عَنَانٍ أَوْ أَبْدَانٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَهَذَانِ الْجِنْسَانِ هُمَا مَنْشَأُ الظُّلْمِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } وَالتَّصَرُّفَاتُ الْأُخْرَى هِيَ الْفَضْلِيَّةُ كَالْقَرْضِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ ، وَإِذَا كَانَتْ التَّصَرُّفَاتُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْمُعَادَلَةِ هِيَ مُعَاوَضَةٌ أَوْ مُشَارَكَةٌ فَمَعْلُومٌ قَطْعاً أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ وَنَحْوَهُمَا مِنْ جِنْسِ الْمُشَارَكَةِ ، لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُعَاوَضَةِ الْمَحْضَةِ وَالْغَرَرِ ، إنَّمَا حَرُمَ بَيْعُهُ فِي الْمُعَاوَضَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ ، وَهُنَا لَا يَأْكُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْبُتْ الزَّرْعُ فَإِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَمْ يَأْخُذْ مَنْفَعَةَ الْآخَرِ ، إذْ هُوَ لَمْ يَسْتَوْفِهَا وَلَا مَلَكَهَا بِالْعَقْدِ ، وَلَا هِيَ مَقْصُودَةٌ بَلْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَةُ بَدَنِهِ كَمَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَةُ أَرْضِهِ ، وَرَبُّ الْأَرْضِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ قَدْ أَخَذَ ، وَالْآخَرُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئاً بِخِلَافِ بُيُوعِ الْغَرَرِ وَإِجَارَةِ الْغَرَرِ ، فَإِنَّ أَحَدَ الْمُتَعَاوِضَيْنِ يَأْخُذُ شَيْئاً وَالْآخَرَ يَبْقَى تَحْتَ الْخَطَرِ فَيُفْضِي إلَى نَدَمِ أَحَدِهِمَا وَخُصُومَتِهِمَا . وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ فِي هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ الَّتِي مَبْنَاهَا عَلَى الْمُعَادَلَةِ الْمَحْضَةِ ، الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ظُلْمٌ أَلْبَتَّةَ لَا فِي غَرَرٍ وَلَا فِي غَيْرِ غَرَرٍ ، وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا تَبَيَّنَ لَهُ مَأْخَذُ هَذِهِ الْأُصُولِ وَعَلِمَ أَنَّ جَوَازَ هَذِهِ أَشْبَهَ بِأُصُولِ