وَأَمَّا تَابِعُو أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ ، فَهَذَا عِنْدَهُمْ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ ، وَإِنَّمَا الْكُوفَةُ ظَهَرَ فِيهَا فِقْهُ عَلِيٍّ وَعِلْمُهُ بِحَسَبِ مُقَامِهِ فِيهَا مُدَّةَ خِلَافَتِهِ ، وَكُلُّ شِيعَةِ عَلِيٍّ الَّذِينَ صَحِبُوهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَدَّمَهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، لَا فِي فِقْهٍ وَلَا عِلْمٍ وَلَا غَيْرِهِمَا ، بَلْ كُلُّ شِيعَتِهِ الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَهُ عَدُوَّهُ كَانُوا مَعَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ يُقَدِّمُونَ أَبَا بَكْرٍ ، إلَّا طَائِفَةٌ غَلَتْ فِيهِ كَاَلَّتِي ادَّعَتْ فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ ، وَهَؤُلَاءِ حَرَّقَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّارِ ، وَطَائِفَةٌ كَانَتْ تَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ ، وَكَانَ رَأْسُهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَبَأٍ ، فَلَمَّا بَلَغَ عَلِيّاً ذَلِكَ طَلَبَ قَتْلَهُ فَهَرَبَ ، وَطَائِفَةٌ كَانَتْ تُفَضِّلُهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، قَالَ : لَا يَبْلُغُنِي عَنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ أَنَّهُ فَضَّلَنِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إلَّا جَلَدْتُهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ نَحْوِ ثَمَانِينَ وَجْهاً وَأَكْثَرَ أَنَّهُ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ : خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ ، مِنْ رِوَايَةِ رِجَالِ هَمْدَانَ خَاصَّةً الَّتِي يَقُولُ فِيهَا عَلِيٌّ : وَلَوْ كُنْت بَوَّاباً عَلَى بَابِ جَنَّةٍ لَقُلْت لِهَمْدَانَ اُدْخُلِي بِسَلَامِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ وَكِلَاهُمَا مِنْ هَمْدَانَ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ .
قَالَ : ثِنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ثِنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ ثِنَا أَبُو يَعْلَى مُنْذِرٌ الثَّوْرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ قُلْت لِأَبِي : يَا أَبَتِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا بُنَيَّ أَوَمَا تَعْرِفُ ؟ فَقُلْت : لَا ، فَقَالَ : أَبُو بَكْرٍ ، قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ عُمَرُ ، وَهَذَا يَقُولُهُ لِابْنِهِ الَّذِي لَا يَتَّقِيه وَلِخَاصَّتِهِ ، وَيَتَقَدَّمُ بِعُقُوبَةِ مَنْ يُفَضِّلُهُ عَلَيْهِمَا .
وَالْمُتَوَاضِعُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِعُقُوبَةِ كُلِّ مَنْ قَالَ الْحَقَّ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُفْتَرِياً وَرَأْسُ الْفَضَائِلِ الْعِلْمُ ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ .
قَالَ تَعَالَى : { هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } .
وَالدَّلَائِلُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَكَلَامُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 436
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٣٦