الْمُسْلِمُونَ : أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ، أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ، أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُجِيبُوهُ .
فَقَالَ : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ، أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ، أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُجِيبُوهُ .
فَقَالَ : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ ، أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ ، أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُجِيبُوهُ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُمْ .
فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ أَنْ قَالَ : كَذَبْتَ عَدُوَّ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ ، وَقَدْ بَقِيَ لَك مَا يَسُوءُك } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
فَهَذَا أَمِيرُ الْكُفَّارِ فِي تِلْكَ الْحَالِ إنَّمَا سَأَلَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، دُونَ غَيْرِهِمْ ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ رُؤُوسُ الْمُسْلِمِينَ : النَّبِيُّ وَوَزِيرَاهُ .
وَلِهَذَا سَأَلَ الرَّشِيدُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ مَنْزِلَتِهِمَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ ، فَقَالَ : مَنْزِلَتُهُمَا فِي حَيَاتِهِ كَمَنْزِلَتِهِمَا مِنْهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ .
وَكَثْرَةُ الِاخْتِصَاصِ وَالصُّحْبَةِ مَعَ كَمَالِ الْمَوَدَّةِ وَالِائْتِلَافِ وَالْمَحَبَّةُ وَالْمُشَارَكَةُ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ تَقْتَضِي أَنَّهُمَا أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمَا .
وَهَذَا ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لِمَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِأَحْوَالِ الْقَوْمِ .
أَمَّا الصِّدِّيقُ فَإِنَّهُ مَعَ قِيَامِهِ بِأُمُورٍ مِنْ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ عَجَزَ عَنْهَا غَيْرُهُ حَتَّى بَيَّنَهَا لَهُمْ لَمْ يُحْفَظْ لَهُ قَوْلٌ مُخَالِفٌ نَصّاً .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الْبَرَاعَةِ .
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَحَفِظَتْ لَهُ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ خَالَفَتْ النَّصَّ ، لَكِنَّ تِلْكَ النُّصُوصَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ ، وَاَلَّذِي وُجِدَ مِنْ مُوَافَقَةِ عُمَرَ لِلنُّصُوصِ أَكْثَرُ مِنْ مُوَافَقَةِ عَلِيٍّ ، وَهَذَا يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَ مَسَائِلَ الْعِلْمِ وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا ، وَذَلِكَ مِثْلُ : نَفَقَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، فَإِنَّ قَوْلَ عُمَرَ هُوَ الَّذِي وَافَقَ النَّصَّ ، دُونَ الْقَوْلِ الْآخَرِ ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْحَرَامِ قَوْلُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ فِيهَا هُوَ الْأَشْبَهُ بِالنُّصُوصِ مِنْ الْقَوْلِ الْآخَرِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ } .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت كَأَنِّي أُتِيَتْ بِقَدَحٍ لَبَنٌ فَشَرِبْت حَتَّى إنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي ، ثُمَّ نَاوَلْتُ فَضْلِي عُمَرَ ، فَقَالُوا : مَا أَوَّلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْعِلْمُ } .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ : أَنَّهُ قَالَ : { لَوْ لَمْ أُبْعَثْ فِيكُمْ لَبُعِثَ عُمَرَ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 433
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٣٣