صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ يُعَلِّمُهُمْ وَيُقَوِّمُهُمْ ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا تَزُولُ مَعَهُ الشُّبْهَةُ .
فَلَمْ يَكُونُوا مَعَهُ يَخْتَلِفُونَ .
وَبَعْدَهُ لَمْ يَبْلُغْ عِلْمُ أَحَدٍ وَكَمَالُهُ عِلْمَ أَبِي بَكْرٍ وَكَمَالَهُ .
فَصَارُوا يَتَنَازَعُونَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ كَمَا تَنَازَعُوا فِي الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ ، وَفِي الْحَرَامِ ، وَفِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَعْرُوفَةِ مِمَّا لَمْ يَكُونُوا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ .
وَكَانُوا يُخَالِفُونَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيّاً فِي كَثِيرٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا أَبَا بَكْرٍ فِي شَيْءٍ مِمَّا كَانَ يُفْتِي فِيهِ وَيَقْضِي ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الْعِلْمِ ، وَقَامَ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَامَ الْإِسْلَامَ ، فَلَمْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، بَلْ دَخَلَ النَّاسُ مِنْ الْبَابِ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ مَعَ كَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ وَغَيْرِهِمْ وَكَثْرَةِ الْخَاذِلِينَ ، فَكُلُّ بِهِ مِنْ عِلْمِهِمْ وَدِينِهِمْ مَا لَا يُقَاوِمُهُ فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى قَامَ الدِّينُ كَمَا كَانَ .
وَكَانُوا يُسَمُّونَ أَبَا بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا سَمَّوْا عُمَرَ وَغَيْرَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .
قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ : ظَهَرَ قَوْلُهُ : { لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا } فِي أَبِي بَكْرٍ فِي اللَّفْظِ كَمَا ظَهَرَ فِي الْمَعْنَى ، فَكَانُوا يَقُولُونَ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ، ثُمَّ انْقَطَعَ هَذَا الِاتِّصَالُ اللَّفْظِيُّ بِمَوْتِهِ ، فَلَمْ يَقُولُوا لِمَنْ بَعْدَهُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ .
وَأَيْضاً فَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ تَعَلَّمَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ بَعْضَ السُّنَّةِ ، بِخِلَافِ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الَّذِي فِي السُّنَنِ : حَدِيثُ صَلَاةِ التَّوْبَةِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : { كُنْتُ إذَا سَمِعْت مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثاً يَنْفَعُنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي ، فَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ اسْتَحْلَفْته ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْته ، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْباً ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ } .
وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَك هَذَا أَنَّ أَئِمَّةَ عُلَمَاءِ الْكُوفَةِ الَّذِينَ صَحِبُوا عُمَرَ وَعَلِيّاً : كَعَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ ، وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي ، وَغَيْرِهِمْ كَانُوا يُرَجِّحُونَ قَوْلَ عُمَرَ عَلَى قَوْلِ عَلِيٍّ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 435
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٣٥