تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
وَأَيْضاً فَإِنَّ الصِّدِّيقَ اسْتَخْلَفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ ، وَعَلَى إقَامَةِ الْمَنَاسِكِ الَّتِي لَيْسَ فِي مَسَائِلِ الْعِبَادَاتِ أَشَكْلُ مِنْهَا ، وَأَقَامَ الْمَنَاسِكَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَى : { أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ } فَأَرْدَفَهُ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، لِيَنْبِذَ الْعَهْدَ إلَى الْمُشْرِكِينَ فَلَمَّا لَحِقَهُ قَالَ : أَمِيراً أَوْ مَأْمُوراً ؟ قَالَ : بَلْ مَأْمُوراً . فَأَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . وَكَانَ عَلِيٌّ مِمَّنْ أَمَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْمَعَ وَيُطِيعَ فِي الْحَجِّ وَأَحْكَامِ الْمُسَافِرِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ ، وَكَانَ هَذَا بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ الَّذِي اسْتَخْلَفَ عَلِيّاً فِيهَا عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الرِّجَالِ إلَّا مُنَافِقٌ أَوْ مَعْذُورٌ أَوْ مُذْنِبٌ فَلَحِقَهُ عَلِيٌّ فَقَالَ أَتَخْلُفُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ؟ فَقَالَ : { أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى } . بَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ اسْتِخْلَافَ عَلِيٍّ عَلَى الْمَدِينَةِ لَا يَقْتَضِي نَقْصَ الْمَرْتَبَةِ ، فَإِنَّ مُوسَى قَدْ اسْتَخْلَفَ هَارُونَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِماً يَسْتَخْلِفُ رِجَالاً ، لَكِنْ كَانَ يَكُونُ بِهَا رِجَالٌ . وَعَامَ تَبُوكَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْغَزَاةِ لِأَنَّ الْعَدُوَّ كَانَ شَدِيداً ، وَالسَّفَرُ بَعِيداً ، وَفِيهَا أَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ بَرَاءَةٌ . وَكِتَابُ أَبِي بَكْرٍ فِي الصَّدَقَاتِ آخِرُ الْكُتُبِ وَأَوْجَزُهَا ، وَلِهَذَا عَمِلَ بِهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ ، وَكِتَابُ غَيْرِهِ فِيهِ مَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ مَنْسُوخٌ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عُلِمَ بِالسُّنَّةِ النَّاسِخَةِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَيْضاً فَالصَّحَابَةُ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكُونُوا يَتَنَازَعُونَ فِي مَسْأَلَةٍ إلَّا فَصَّلَهَا بَيْنَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَارْتَفَعَ النِّزَاعُ ، فَلَا يُعْرَفُ بَيْنَهُمْ فِي زَمَانِهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ تَنَازَعُوا فِيهَا إلَّا ارْتَفَعَ النِّزَاعُ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِهِ كَتَنَازُعِهِمْ فِي وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَدْفِنِهِ وَفِي مِيرَاثِهِ ، وَفِي تَجْهِيزِ جَيْشِ أُسَامَةَ ، وَقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ ، بَلْ كَانَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ