وَلِهَذَا تَعَجَّبَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " كِتَابِ الْأَمْوَالِ " مِنْ هَذَا ، فَرَأَى أَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ تُخَالِفُ مَا عَلِمَهُ مِنْ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ ، وَحُجَّةُ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّ إجَارَةَ الْأَرْضِ جَائِزَةٌ ، وَالْحَاجَةُ إلَيْهَا دَاعِيَةٌ ، وَلَا يُمْكِنُ إجَارَتُهَا إذَا كَانَ فِيهَا شَجَرٌ ، إلَّا بِإِجَارَةِ الشَّجَرِ ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْجَائِزُ إلَّا بِهِ فَهُوَ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يَتَبَرَّعُ بِسَقْيِ الشَّجَرِ ، وَقَدْ لَا يُسَاقِي عَلَيْهَا ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ مَالِكاً وَالشَّافِعِيَّ كَانَ الْقِيَاسُ عِنْدَهُمَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ ، فَإِذَا سَاقَى الْعَامِلُ عَلَى شَجَرٍ فِيهَا بَيَاضٌ جَوَّزَا الْمُزَارَعَةَ فِي ذَلِكَ الْبَيَاضِ تَبَعاً لِلْمُسَاقَاةِ فَيُجَوِّزُهُ مَالِكٌ إذَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ ، كَمَا قَالَ فِي بَيْعِ الشَّجَرِ لِلْأَرْضِ ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ يُجَوِّزُهُ إذَا كَانَ الْبَيَاضُ قَلِيلاً لَا يُمْكِنُ سَقْيُ النَّخْلِ إلَّا بِهِ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيراً وَالنَّخْلُ قَلِيلاً وَفِيهِ لِأَصْحَابِهِ وَجْهَانِ ، هَذَا إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ كَالثُّلُثِ ، أَوْ الرُّبْعِ ، فَإِمَّا إنْ فَاضَلَ بَيْنَ الْجُزْأَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِهِ وَكَذَلِكَ إنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ وَقَدَّمَ الْمُسَاقَاتِ فَفِيهِ وَجْهَانِ ، فَأَمَّا إنْ قَدَّمَ الْمُزَارَعَةَ لَمْ تَصِحَّ الْمُزَارَعَةُ وَجْهاً وَاحِداً ، فَقَدْ جَوَّزَا الْمُزَارَعَةَ الَّتِي لَا تَجُوزُ عِنْدَهُمَا تَبَعاً لِلْمُسَاقَاةِ ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ إجَارَةُ الشَّجَرِ تَبَعاً لِإِجَارَةِ الْأَرْضِ ، وَقَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ هُوَ قِيَاسُ أَحَدِ وَجْهَيْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِلَا شَكٍّ .
وَلِأَنَّ الْمَانِعِينَ مِنْ هَذَا هُمْ بَيْنَ مُحْتَالٍ عَلَى جَوَازِهِ أَوْ مُرْتَكِبٍ لِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ حَرَامٌ ، أَوْ ضَارٍّ مُتَضَرِّرٌ ، فَإِنَّ الْكُوفِيِّينَ احْتَالُوا عَلَى الْجَوَازِ تَارَةً بِأَنْ يُؤَجِّرَ الْأَرْضَ فَقَطْ ، وَيُبِيحَهُ ثَمَرَ الشَّجَرِ ، كَمَا يَقُولُونَ فِي بَيْعِ التَّمْرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، يَبِيعُهُ إيَّاهُ مُطْلَقاً ، أَوْ بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَيُبِيحُهُ إبْقَاءَهَا ، وَهَذِهِ الْحِيلَةُ مَنْقُولَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، وَتَارَةً بِأَنْ يُكْرِيَهُ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ الْأُجْرَةِ ، وَيُسَاقِيَهُ عَلَى الشَّجَرِ بِالْمُحَابَاةِ مِثْلُ أَنْ يُسَاقِيَهُ عَلَى جُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ لِلْمَالِكِ ، وَهَذِهِ الْحِيلَةُ إنَّمَا يُجَوِّزُهَا مَنْ يُجَوِّزُ الْمُسَاقَاةَ ، كَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ .
فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَا يُجَوِّزُهَا بِحَالٍ ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ إنَّمَا يُجَوِّزُهَا فِي الْجَدِيدِ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ ، فَقَدْ اُضْطُرُّوا إلَى ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ إلَى أَنْ يُسَمِّيَ الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ ، وَيَتَبَرَّعُ لَهُ إمَّا بِإِعْرَاءِ الشَّجَرِ وَإِمَّا بِالْمُحَابَاةِ فِي مُسَاقَاتِهَا ، وَلِفَرْطِ الْحَاجَةِ إلَى هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ صَنَّفَ فِي إبْطَالِ الْحِيَلِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ هَذِهِ الْحِيلَةَ فِيمَا يَجُوزُ مِنْ الْحِيَلِ - أَعْنِي حِيلَةَ الْمُحَابَاةِ فِي الْمُسَاقَاةِ - وَالْمَنْصُوصُ عَنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 38
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٨