تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
أَحْمَدُ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ إبْطَالُ هَذِهِ الْحِيلَةِ بِعَيْنِهَا كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَالْمَنْعُ مِنْ هَذِهِ الْحِيَلِ هُوَ صَحِيحٌ قَطْعاً ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك } " رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْخَمْسَةُ : أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . فَنَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ سَلَفٍ وَبَيْعٍ ، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ سَلَفٍ وَإِجَارَةٍ فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ سَلَفٍ وَبَيْعٍ أَوْ مِثْلِهِ ؛ وَكُلُّ تَبَرُّعٍ يَجْمَعُهُ إلَى الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ مِثْلُ الْهِبَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْعَرِيَّةِ وَالْمُحَابَاةِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، هُوَ مِثْلُ الْقَرْضِ ، فَجِمَاعُ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنْ لَا يُجْمَعَ بَيْنَ مُعَاوَضَةٍ وَتَبَرُّعٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّبَرُّعَ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الْمُعَاوَضَةِ لَا تَبَرُّعاً مُطْلَقاً ؛ فَيَصِيرُ جُزْءاً مِنْ الْعِوَضِ فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ جَمَعَا بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ ؛ فَإِنَّ مَنْ أَقْرَضَ رَجُلاً أَلْفَ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ سِلْعَةً تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ بِأَلْفٍ لَمْ يَرْضَ بِالْإِقْرَاضِ إلَّا بِالثَّمَنِ الزَّائِدِ لِلسِّلْعَةِ ؛ وَالْمُشْتَرِي لَمْ يَرْضَ بِبَدَلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ الزَّائِدِ إلَّا لِأَجْلِ الْأَلْفِ الَّتِي اقْتَرَضَهَا ؛ فَلَا هَذَا بَيْعاً بِأَلْفٍ وَلَا هَذَا قَرْضاً مَحْضاً . بَلْ الْحَقِيقَةُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ الْأَلْفَ وَالسِّلْعَةَ بِأَلْفَيْنِ ، فَهِيَ مَسْأَلَةُ مُدِّ عَجْوَةٍ فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ أَخْذُ أَلْفٍ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ حَرُمَ بِلَا تَرَدُّدٍ وَإِلَّا خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ ، وَهَكَذَا مَنْ اكْتَرَى الْأَرْضَ الَّتِي تُسَاوِي مِائَةً بِأَلْفٍ وَأَعْرَاهُ الشَّجَرَ أَوْ رَضِيَ مِنْ ثَمَرِهَا بِجُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ . فَمَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُ إنَّمَا تَبَرَّعَ بِالثَّمَرَةِ لِأَجْلِ الْأَلْفِ . فَالثَّمَرَةُ هِيَ حِلُّ الْمَقْصُودِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ بَعْضُهُ فَلَيْسَتْ الْحِيلَةُ إلَّا ضَرْباً مِنْ اللَّعِبِ وَالْإِفْسَادِ ، فَالْمَقْصُودُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ . وَاَلَّذِينَ لَا يَحْتَالُونَ أَوْ يَحْتَالُونَ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُمْ فَسَادُ هَذِهِ الْحِيلَةِ ، هُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ ، إمَّا أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ فَاعِلُونَ لِلْمُحَرَّمِ كَمَا رَأَيْنَا عَلَيْهِ أَكْثَرَ النَّاسِ ، وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ وَيَتْرُكُوا تَنَاوُلَ الثِّمَارِ الدَّاخِلَةِ فِي هَذِهِ الْمَعَامِلِ ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْ الضَّرَرِ وَالِاضْطِرَارِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَلْتَزِمَ ذَلِكَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ فَمَا يُمْكِنُ الْمُسْلِمِينَ الْتِزَامُ ذَلِكَ إلَّا بِفَسَادِ الْأَمْوَالِ الَّتِي لَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ قَطُّ ، فَضْلاً عَنْ شَرِيعَةٍ قَالَ اللَّهُ فِيهَا : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } ، وَقَالَ تَعَالَى :