تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
فَإِنَّ دَلَالَةَ هَذِهِ إنَّمَا تَتِمُّ بَعْدَ الْجَوَابِ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ فِعْلِ عُمَرُ فِي قِصَّةِ أُسَيْدَ بْنِ الْحُضَيْرِ ، فَإِنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ الَّتِي فِيهَا بِالْمَالِ الَّذِي كَانَ لِلْغُرَمَاءِ ، وَهَذَا عَيْنُ مَسْأَلَتِنَا ، وَلَا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ كَانَ قَلِيلاً ، فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ حِيطَانَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْغَالِبِ عَلَيْهَا الشَّجَرُ ، وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ كَانَ مِنْ سَادَاتِ الْأَنْصَارِ وَمَيَاسِيرِهِمْ ، فَيُقَيَّدُ أَنْ يَكُونَ غَالِبٌ عَلَى حَائِطَةِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ، ثُمَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ لَا بُدَّ أَنْ تُشْتَهَرَ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَداً أَنْكَرَهَا فَيَكُونُ إجْمَاعاً ، وَكَذَلِكَ مَا ضَرَبَهُ مِنْ الْخَرَاجِ فَإِنَّ تَسْمِيَتَهُ خَرَاجاً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَمَّا يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ ، كَمَا يُسَمِّي النَّاسُ الْيَوْمَ كِرَاءَ الْأَرْضِ لِمَنْ يَغْرِسُهَا خَرَاجاً إذَا كَانَ عَلَى كُلِّ شَجَرَةٍ شَيْءٌ مَعْلُومٌ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } وَمِنْهُ خَرَاجُ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ ضَرِيبَةٍ يُخْرِجُهَا مِنْ مَالِهِ ، فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ أَجْرُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ جَوَازَ مِثْلِ هَذِهِ ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ ثَمَنٌ أَوْ عِوَضٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُهُ غَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا جَوَّزَتْهُ الصَّحَابَةُ وَلَا نَظِيرَ لَهُ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ ، وَالْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ أَرْضٍ فِيهَا شَجَرٌ ، كَالْأَرْضِ الْمُفْتَتَحَةِ فَإِنَّهُ إنْ قِيلَ تُمْكِنُ الْمُسَاقَاةُ أَوْ الْمُزَارَعَةُ قِيلَ وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ عُمَرَ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ ، كَمَا فَعَلَ فِي أَبْنَاءِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ . أَمَّا فِي خِلَافَةِ الْمَنْصُورِ وَأَمَّا بَعْدَهُ فَإِنَّهُمْ نَقَلُوا أَرْضَ السَّوَادِ مِنْ الْخَرَاجِ إلَى الْمُقَاسَمَةِ الَّتِي هِيَ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ . وَإِنْ قِيلَ : إنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُ الْكِرَاءِ بِإِزَاءِ الْأَرْضِ ، وَالتَّبَرُّعِ بِمَنْفَعَةِ الشَّجَرِ أَوْ الْمُحَابَاةِ فِيهَا . قِيلَ : وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ عُمَرَ ذَلِكَ فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ ، وَأَيْضاً فَإِنَّا نَعْلَمُ قَطْعاً أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا زَالَ لَهُمْ أَرْضُونَ فِيهَا شَجَرٌ تُكْرَى ، هَذَا غَالِبٌ عَلَى أَمْوَالِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَنَعْلَمُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ يَعْمُرُونَ أَرْضَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَلَا غَالِبِهِمْ ، وَنَعْلَمُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ قَدْ لَا تَتَيَسَّرُ كُلَّ وَقْتٍ ؛ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى عَامِلٍ أَمِينٍ ، وَمَا