وَكَذَلِكَ كُلُّ عَارِيَّةٍ خَيْلٍ وَإِبِلٍ وَأَنْوَاعٍ مِنْ السِّلَاحِ مُطْلَقَةٍ غَيْرِ مَوْصُوفَةٍ عِنْدَ شَرْطٍ ، قَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ الْعِوَضَ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ كَالصَّدَاقِ وَالْكِتَابَةِ وَالْفِدْيَةِ فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاصِ ، وَالْجِزْيَةِ وَالصُّلْحِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ ، لَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ كَمَا يُعْلَمُ الثَّمَنُ وَالْأُجْرَةُ .
وَلَا يُقَاسُ عَلَى بَيْعِ الْغَرَرِ كُلُّ عَقْدٍ عَلَى غَرَرٍ ؛ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ إمَّا أَنْ لَا تَجِبَ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ ، أَوْ لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ فِيهَا ، وَمَا لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ إذَا وَقَعَ فِيهِ غَرَرٌ لَمْ يُفْضِ إلَى الْمَفْسَدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَيْعِ بَلْ يَكُونُ إيجَابُ التَّحْدِيدِ فِي ذَلِكَ فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ الْمَنْفِيِّ شَرْعاً مَا يَزِيدُ عَلَى ضَرَرِ تَرْكِ تَحْدِيدِهِ .
فَصْلٌ
وَمِمَّا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، وَمِنْ مَسَائِلِ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ مَا قَدْ عَمَّ بِهِ الْبَلْوَى فِي كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَكْثَرِهَا ، لَا سِيَّمَا دِمَشْقَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ تَكُونُ مُشْتَمِلَةً عَلَى غِرَاسٍ ، وَأَرْضٍ تَصْلُحُ لِلزَّرْعِ ، وَرُبَّمَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَسَاكِنَ فَيُرِيدُ صَاحِبُهَا أَنْ يُؤَاجِرَهَا لِمَنْ يَسْقِيهَا وَيَزْرَعُهَا أَوْ يَسْكُنُهَا مَعَ ذَلِكَ ، فَهَذَا إذَا كَانَ فِيهَا أَرْضٌ وَغِرَاسٌ مِمَّا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَجُوزُ إذاً كَافِي الشَّجَرِ قَلِيلاً فَكَانَ الْبَيَاضُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَكْرَى دَاراً فِيهَا نَخَلَاتٌ قَلِيلَةٌ ، أَوْ شَجَرَاتُ عِنَبٍ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ كَالْقَوْلَيْنِ فَإِنَّ الْكَرْمَانِيَّ قَالَ لِأَحْمَدَ : الرَّجُلُ يَسْتَأْجِرُ الْأَرْضَ وَفِيهَا نَخَلَاتٌ ، قَالَ : أَخَافُ أَنْ يَكُونَ اسْتَأْجَرَ شَجَراً لَمْ يُثْمِرْ .
وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ أَظُنُّهُ إذَا أَرَادَ الشَّجَرَ ، فَلَمْ أَفْهَمْ عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهَا إذَا بَاعَ رِبَوِيّاً بِجِنْسِهِ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَكْثَرَ هُوَ غَيْرُ الْجِنْسِ ، كَشَاةٍ ذَاتِ صُوفٍ أَوْ لَبَنٍ بِصُوفٍ أَوْ لَبَنٍ رِوَايَتَانِ وَأَكْثَرُ أُصُولِهِ عَلَى الْجَوَازِ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : إذَا ابْتَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ وَكَانَ مَقْصُودُهُ الْعَبْدَ جَازَ ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ مَجْهُولاً أَوْ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ ، وَلِأَنَّهُ يَقُولُ إذَا ابْتَاعَ أَرْضاً أَوْ شَجَراً فِيهَا ثَمَرٌ أَوْ زَرْعٌ لَمْ يُدْرِكْ يَجُوزُ إذَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 35
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٥