وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ : { لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إلَّا قَلِيلاً } إنَّ { قَلِيلاً } عَائِدٌ إلَى قَوْلِهِ : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنْ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ } { إلَّا قَلِيلاً } وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ عَائِدٌ إلَى جُمْلَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ جُمَلٌ أُخْرَى .
" وَالْمُقَدَّمُ فِي الْقُرْآنِ ، وَالْمُؤَخَّرُ " بَابٌ مِنْ الْعِلْمِ ، وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ : مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ هَذَا .
وَشِبْهُهُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُؤَخَّراً فِي اللَّفْظِ مُقَدَّماً فِي النِّيَّةِ .
ثُمَّ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةٍ مُعْتَرِضَةٍ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا : لَا يُنْكِرُهُ إلَّا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ اللُّغَةَ ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ، وَلَا تُؤْمِنُوا إلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } فَقَوْلُهُ : { أَنْ يُؤْتَى } مِنْ تَمَامِ قَوْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ .
أَيْ : كَرَاهَةَ أَنْ يُؤْتَى فَهُوَ مَفْعُولُ تُؤْمِنُوا ، وَقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ : { قُلْ إنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ } وَهِيَ جُمْلَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ ؛ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ فَأَيُّهُمَا أَبْلَغُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ أَوْ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ؟ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْأَخِيرَةِ مَقْطُوعاً بِهِ لَمْ يَجِبْ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَيْهَا ؛ بَلْ رُبَّمَا كَانَ فِي سِيَاقِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ عَوْدَهُ إلَى الْأُولَى أَوْكَدُ .
- وَمَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا الْبَابِ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
الثَّالِثُ قَوْلُهُ : إذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِلَفْظِ الْوَاقِفِ نَصّاً وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُغَيِّرُهُ وَجَبَ تَقْرِيرُ الِاسْتِحْقَاقِ .
قُلْنَا أَوَّلاً : مَسْأَلَتُنَا لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ : عَلَى أَوْلَادِهِ ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ لَيْسَ نَصّاً فِي تَرْتِيبِ الطَّبَقَةِ عَلَى الطَّبَقَةِ ؛ فَإِنَّهُ صَالِحٌ لِتَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ ، لَكِنَّ هَذَا يَجِبُ فِي خُصُوصِ مَسْأَلَتِنَا مَعَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهَا تَحْتَ عُمُومِ هَذَا الْكَلَامِ ، ثُمَّ مَنْ يَقُولُ مِنْ رَأْسٍ : لَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ الِاسْتِحْقَاقِ بِلَفْظِ الْوَاقِفِ نَصّاً فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي يَعْقُبُهَا اسْتِثْنَاءٌ أَوْ شَرْطٌ ؛ فَإِنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَكُونُ نَصّاً إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِمَا يُغَيِّرُهُ ، وَالتَّغْيِيرُ مُتَحَمَّلٌ ، فَشَرْطُ كَوْنِهِ نَصّاً مَشْكُوكٌ فِيهِ ، وَمَتَى كَانَ شَرْطُ الْحُكْمِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 330
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٣٠