تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
السَّابِقِينَ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَطْفُ بِحَرْفٍ مُرَتَّبٍ أَوْ مُشْتَرَكٍ غَيْرِ مُرَتَّبٍ . وَهَذَا بِعَيْنِهِ دَلِيلُ مَنْ أَوْجَبَ قَصْرَ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ . فَإِنْ قَالَ : قَدْ ثَبَتَ الْعُمُومُ فِي الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِمُحْتَمَلٍ مُتَرَدِّدٍ - وَلَيْسَ غَرَضُنَا هُنَا إفْسَادُ هَذَا الدَّلِيلِ - بَلْ نَقُولُ مُوجَبُ هَذَا الدَّلِيلِ اخْتِصَاصُ التَّوَابِعِ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ مُطْلَقاً . أَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ عَاطِفٍ وَعَاطِفٍ فَلَيْسَ فِي هَذَا الدَّلِيلِ مَا يَقْتَضِيه أَصْلاً . وَأَيُّ فَرْقٍ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي ، وَعَلَى الْمَسَاكِينِ ؛ إلَّا أَنْ يَكُونُوا فُسَّاقاً ؟ ، نَعَمْ ، صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ رُبَّمَا قَوِيَ عِنْدَ اخْتِصَاصِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْجُمْلَةِ الْآخِرَةِ ، وَهَابَ مُخَالَفَةَ الشَّافِعِيِّ فَغَاظَ مَا عِنْدَهُ مِنْ الرُّجْحَانِ ، مَعَ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَسْأَلَتَنَا لَيْسَتْ مِنْ مَوَارِدِ الْخِلَافِ ؛ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَوْ الصِّفَةِ الْإِعْرَابِيَّةِ . فَأَمَّا الشَّرْطُ وَالصِّفَةُ الشَّرْطِيَّةُ فَلَا خِلَافَ فِيهِمَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ . وَبِالْجُمْلَةِ مَنْ سَلَّمَ أَنَّ الْجُمَلَ الْمَعْطُوفَةَ بِالْوَاوِ يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى جَمِيعِهَا كَانَ ذِكْرُهُ لِهَذَا الدَّلِيلِ مُبْطِلاً لِمَا سَلَّمَهُ ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْحُكْمِ مُسْتَلْزِمٌ تَسْلِيمَ بُطْلَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ عَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْجَمِيعِ . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ : انْصِرَافُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الَّذِينَ يَلِيهِمْ الِاسْتِثْنَاءُ مَقْطُوعٌ بِهِ . فَمَمْنُوعٌ ؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَقَطْ ، إذَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ . وَيَجُوزُ لِلْمُتَكَلِّمِ أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ وَيَقْصِدَهُ ، وَإِنْ كَانَ حَالِفاً مَظْلُوماً ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : قَاتَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَدَعَاهُمْ وَأَبْغَضَهُمْ إلَّا أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ . كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ عَائِداً إلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَقَطْ ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي الظَّاهِرِ عَائِدٌ إلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى . وَقَالَ سُبْحَانَهُ : { بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } ، إلَى قَوْلِهِ : { إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مَنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ } وَلَيْسَ هَذَا مُسْتَثْنًى مِمَّا يَلِيه ؛ بَلْ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ .