تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
كَانَ النَّقْلُ وَالِاسْتِعْمَالُ قَدْ اقْتَضَيَا أَنَّهُمَا لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى : كَانَ دَعْوَى انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِالتَّشْرِيكِ دُونَ الْآخَرِ خُرُوجاً عَنْ لُغَةِ الْعَرَبِ وَعَنْ الْمَنْقُولِ عَنْهُمْ . وَأَمَّا الْعُرْفُ فَقَدْ أَسْلَفْنَا أَنَّ النَّاسَ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ إلَّا عَوْدَ الشَّرْطِ إلَى الْجَمِيعِ ، وَالْعِلْمُ بِهَذَا مِنْ عُرْفِ النَّاسِ ضَرُورِيٌّ . وَأَمَّا كَلَامُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ فَإِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَعَقِّبِ جُمَلاً فَقَالَ قَوْمٌ : إنَّهُ يَعُودُ إلَى جَمِيعِهَا . وَقَالَ قَوْمٌ : يَعُودُ إلَى الْأَخِيرَةِ مِنْهَا . وَقَالَ قَوْمٌ : إنْ كَانَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ تَعَلُّقٌ عَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى جَمِيعِهَا ، وَإِنْ كَانَتَا أَجْنَبِيَّتَيْنِ عَادَ إلَى الْأَخِيرَةِ . ثُمَّ فَصَلُوا الْجُمَلَ الْمُتَعَلِّقَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ ، وَذَكَرُوا عِدَّةَ أَنْوَاعٍ مِنْ التَّفْصِيلِ . وَقَالَ قَوْمٌ : الْعَطْفُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْجَمِيعِ . وَقَالَ قَوْمٌ : بِالْوَقْفِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ . ثُمَّ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ وَالْفَاءِ أَوْ ثُمَّ : بَلْ قَوْلُهُمْ الْمَعْطُوفُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ يَعُمُّ الْجَمِيعَ . وَكَذَلِكَ الْفُقَهَاءُ ذَكَرُوا هَذَا فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَبَابِ الْوَقْفِ ثُمَّ بَنَوْهُ عَلَى أَصْلِهِمْ ، فَقَالُوا : الِاسْتِثْنَاءُ أَوْ الْوَصْفُ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلاً عَادَ إلَى جَمِيعِهَا أَوْ إلَى بَعْضِهَا . وَقَدْ اعْتَرَفَ مَنْ فَصَّلَ بِأَنَّ الْأَئِمَّةَ أَطْلَقُوا هَذَا الْكَلَامَ ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَصَّلَ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الْأَئِمَّةِ إلَّا مَا قَالُوهُ . وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ زَيْداً ، ثُمَّ عَمْراً ، ثُمَّ بَكْراً - إنْ شَاءَ اللَّهُ . عَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجَمِيعِ . وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي ، لَأَضْرِبُهُنَّ هَذَا ، ثُمَّ هَذَا ، ثُمَّ هَذَا . أَوْ قَالَ : لَآخُذَنَّ الْمُدْيَةَ ، لَأَذْبَحَنَّ الشَّاةَ . لَأَطْبُخَنَّهَا . إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ . وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا كَانَ الْعَطْفُ بِمَا يَقْتَضِي تَرْتِيبَهَا فَالصَّرْفُ إلَى جَمِيعِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ بَعْضُ النَّظَرِ وَالْغُمُوضِ فَإِنَّ انْصِرَافَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الَّذِينَ يَلِيهِمْ الِاسْتِثْنَاءُ مَقْطُوعٌ بِهِ ، وَانْعِطَافُهُ عَلَى جَمِيعِ السَّابِقِينَ . وَالْعَطْفُ بِالْحَرْفِ الْمُرَتَّبِ مُحْتَمَلُ ، غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ . وَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِلَفْظِ الْوَاقِفِ نَصّاً وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُغَيِّرُهُ : وَجَبَ تَقْرِيرُ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَلَمْ يَجُزْ تَغْيِيرُهُ لِمُحْتَمِلٍ مُتَرَدِّدٍ . فَنَقُولُ : الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ هَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي الْعَطْفِ بِالْوَاوِ ؛ فَإِنَّ انْعِطَافَهُ عَلَى جَمِيعِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 328 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا