تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
غَيْرِهِ ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ } ، وَقَوْلِهِمْ : النَّاسُ يُحِبُّونَ أَوْلَادَهُمْ . وَاللَّفْظُ صَالِحٌ لِكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ صَلَاحاً قَوِيّاً ؛ لَكِنْ قَدْ يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِأَسْبَابٍ أُخْرَى ، كَمَا رَجَّحَ الْجُمْهُورُ تَرْتِيبَ الْكُلِّ عَلَى الْكُلِّ فِي قَوْلِهِ : وَقَفْت عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ . فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ وَبَيْنَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ مُسَاوَاةٌ فِي الْعَدَدِ حَتَّى يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مُرَتَّباً عَلَى الْآخَرِ ، وَلَا مُنَاسَبَةَ تَقْتَضِي أَنْ يُعَيَّنَ لِزَيْدٍ هَذَا الْمِسْكِينَ ، وَلِعَمْرٍو هَذَا ، وَلِبَكْرٍ هَذَا ؛ بِخِلَافِ قَوْلِنَا : النَّاسُ يُحِبُّونَ أَوْلَادَهُمْ ؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَنْ لَهُ وَلَدٌ . فَصَارَ أَحَدُ الْعُمُومَيْنِ مُقَاوِماً لِلْآخَرِ . وَفِي أَوْلَادِهِمْ مِنْ الْإِضَافَةِ مَا اقْتَضَى أَنْ يُعَيِّنَ لِكُلِّ إنْسَانٍ وَلَدَهُ دُونَ وَلَدِ غَيْرِهِ . وَكَمَا يَتَرَجَّحُ الْمَعْنَى الثَّانِي فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ } إلَى آخِرِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ جَمِيعَ أُمَّهَاتِ الْمُخَاطَبِينَ وَبَنَاتِهِمْ ؛ وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أُمَّهُ وَبِنْتَهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } فَإِنَّهُ لَيْسَ لِجَمِيعِ الْأَزْوَاجِ نِصْفُ مَا تَرَكَ جَمِيعُ النِّسَاءِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ مَا تَرَكَتْ زَوْجَتُهُ فَقَطْ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } إنَّمَا مَعْنَاهُ اتَّبَعَ كُلُّ وَاحِدٍ ذُرِّيَّتَهُ ؛ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الذُّرِّيَّةِ اتَّبَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْآبَاءِ . وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ : مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : النَّاسُ فِي دِيَارِهِمْ وَمَعَ أَزْوَاجِهِمْ يَتَصَرَّفُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَيُنْفِقُونَ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . ثُمَّ الَّذِي يُوَضِّحُ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى قَوِيٌّ فِي الْوَقْفِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : أَنَّ أَكْثَرَ الْوَاقِفِينَ يَنْقُلُونَ نَصِيبَ كُلِّ وَالِدٍ إلَى وَلَدِهِ ، لَا يُؤَخِّرُونَ الِانْتِقَالَ إلَى انْقِضَاءِ الطَّبَقَةِ ؛ وَالْكَثْرَةُ دَلِيلُ الْقُوَّةِ ؛ بَلْ وَالرُّجْحَانِ . الثَّانِي : أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْأَوْلَادِ يُقْصَدُ بِهِ غَالِباً أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْرُوثِ الَّذِي لَا