إلَّا أَنْ يَنْفَصِلَ عَمَّا بَعْدَهُ .
فَأَمَّا إذَا اتَّصَلَ بِمَا بَعْدَهُ بَيَّنَ ذَلِكَ الْوَصْلُ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ .
فَقَوْلُكُمْ : اللَّفْظُ الْأَوَّلُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ظَاهِراً فِي أَحَدِهِمَا أَوْ مُحْتَمَلاً .
قُلْنَا : قَبْلَ تَمَامِهِ لَا يُوصَفُ بِوَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ ، وَإِنَّمَا قَدْ يُوصَفُ بِالصَّلَاحِ لِلْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ .
وَلَا يُقَالُ فِيهِ : صَرْفٌ لِلظَّاهِرِ أَصْلاً ، فَإِنَّهُ لَا ظَاهِرَ لِكَلَامٍ لَمْ يَتِمَّ بَعْدُ ، وَإِنَّمَا ظَاهِرُ الْكَلَامِ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ عِنْدَ فَرَاغِ الْمُتَكَلِّمِ .
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مَنْشَأُ الْغَلَطِ فِي عُمُومِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ : عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ .
عَامٌّ فِي أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ بِلَا تَرَدُّدٍ .
فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدٍ مِنْهُمْ .
وَهُوَ مُقْتَضٍ لِلتَّرْتِيبِ أَيْضاً ؛ فَإِنَّ الْأَوْلَادَ مُرَتَّبُونَ عَلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ لَكِنَّ صِفَةَ هَذَا الْعُمُومِ : أَهُوَ عُمُومُ التَّفْسِيرِ وَالتَّوْزِيعِ الْمُقْتَضِي لِمُقَابَلَةِ كُلِّ فَرْدٍ بِفَرْدٍ ؟ أَوْ عُمُومِ الشِّيَاعِ الْمُقْتَضِي لِمُقَابَلَةِ كُلِّ فَرْدٍ بِكُلِّ فَرْدٍ ؟ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي هَذَا بِمَعْنَى أَنَّهُ نَصٌّ فِيهِ فَهُوَ جَاهِلٌ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ، خَارِجٌ عَنْ مَنَاهِجِ الْعُقُولِ الطَّبِيعِيَّةِ ؛ وَمَنْ سَلَّمَ صَلَاحَ اللَّفْظِ لَهُمَا ؛ وَادَّعَى رُجْحَانَ أَحَدِهِمَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الْكَلَامِ : لَمْ نُنَازِعْهُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَسْأَلَتَنَا ؛ وَإِنْ نَازَعَ فِي رُجْحَانِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ بَعْدَ تِلْكَ الصِّلَةِ فَهُوَ أَيْضاً مُخْطِئٌ قَطْعاً .
وَهَذِهِ حُجَّةٌ عِنْدَ مُثْبِتِي الْمَفْهُومِ وَنُفَاتِهِ ؛ كَالْوَجْهِ الْأَوَّلِ ؛ فَإِنَّ نَافِيَ الْمَفْهُومِ يَقُولُ : الْمَسْكُوتُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الثَّانِي ؛ لَكِنْ إنْ دَخَلَ فِي الْأَوَّلِ عَمِلْت بِهِ ؛ وَنُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَوْ إذَا عُلِمَ أَنْ لَا مُوجِبَ لِلتَّخْصِيصِ سِوَى الِاخْتِصَاصِ بِالْحُكْمِ : كَانَ الْمَفْهُومُ دَلِيلاً .
فَإِذَا تَأَمَّلَ قَوْلَهُ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ كَانَ نَصِيبُهُ لِأَهْلِ طَبَقَتِهِ .
قَالَ إنْ كَانَ مُرَادُ الْوَاقِفِ عُمُومَ الشِّيَاعِ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ مُقَيِّداً لِبَيَانِ مُرَادِهِ ، وَمَتَى دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنْ تَجْعَلَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مُفَسِّرَةً لِلَّفْظِ الْأَوَّلِ ؛ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ لَغْواً : كَانَ حَمْلُهَا عَلَى الْإِفَادَةِ وَالتَّفْسِيرِ أَوْلَى ؛ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنِّي أَعْتَبِرُهَا ؛ وَاعْتِبَارُ كَلَامِ الْوَاقِفِ أَوْلَى مِنْ إهْدَارِهِ .
وَالثَّانِي : أَجْعَلُهَا بَيَاناً لِلَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ حِينَئِذٍ ؛ فَأَدْفَعُ بِهَا احْتِمَالاً كُنْت أَعْمَلُ بِهِ لَوْلَا هِيَ ؛ ، وَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ مُحْتَمِلاً لِمَعْنَيَيْنِ كَانَ الْمُقْتَضِي لِتَعْيِينِ أَحَدِهِمَا قَائِماً ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 313
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٣