تَعَالَى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } ، { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } فَإِنَّ الْخَلْقَ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ ؛ وَكُلّاً مِنْهُمْ مُخَاطَبٌ بِالْعِبَادَةِ وَالطَّهَارَةِ ؛ وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ أُمَّةً وَسَطاً .
وَلَا خَيْرَ أُمَّةٍ .
ثُمَّ الْعُمُومُ الْمُقَابَلُ بِعُمُومٍ آخَرَ قَدْ يُقَابَلُ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ هَذَا بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ هَذَا ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } ؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ آمَنَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ .
وَقَدْ يُقَابَلُ الْمَجْمُوعُ بِالْمَجْمُوعِ بِشَرْطِ الِاجْتِمَاعِ مِنْهُمَا ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ : { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا } ؛ فَإِنَّ الِالْتِقَاءَ ثَبَتَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا .
وَقَدْ يُقَابَلُ شَرْطُ الِاجْتِمَاعِ مِنْ أَحَدِهِمَا كَقَوْلِهِ : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } فَإِنَّ مَجْمُوعَ الْأُمَّةِ خَيْرٌ لِلنَّاسِ مُجْتَمِعِينَ وَمُنْفَرِدِينَ .
وَقَدْ يُقَابَلُ الْمَجْمُوعُ بِالْمَجْمُوعِ بِتَوْزِيعِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعُمُومَيْنِ وَاحِدٌ مِنْ الْعُمُومِ الْآخَرِ ، كَمَا يُقَالُ : لَبِسَ النَّاسُ ثِيَابَهُمْ ، وَرَكِبَ النَّاسُ دَوَابَّهُمْ .
فَإِنَّ وَاحِداً مِنْهُمْ رَكِبَ دَابَّتَهُ ، وَلَبِسَ ثَوْبَهُ .
وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ : النَّاسُ يُحِبُّونَ أَوْلَادَهُمْ .
أَيْ : كُلُّ وَاحِدٍ يُحِبُّ وَلَدَهُ ؛ وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ } .
أَيْ : كُلُّ وَالِدَةٍ تُرْضِعُ وَلَدَهَا ؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ قُلْت : النَّاسُ يُعَظِّمُونَ الْأَنْبِيَاءَ ؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُعَظِّمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ .
فَقَوْلُ الْوَاقِفِ : عَلَى أَوْلَادِهِ ؛ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ : قَدْ اقْتَضَى تَرْتِيبَ أَحَدِ الْعُمُومَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْعُمُومَ الثَّانِيَ بِمَجْمُوعِهِ مُرَتَّبٌ عَلَى مَجْمُوعِ الْعُمُومِ الْأَوَّلِ وَعَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ ، فَلَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ الثَّانِي فِي الْوَقْفِ ، حَتَّى يَنْقَضِيَ جَمِيعُ أَفْرَادِ الْعُمُومِ الْأَوَّلِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ تَرْتِيباً يُوَزَّعُ فِيهِ الْأَفْرَادُ عَلَى الْأَفْرَادِ ، فَيَكُونُ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ دَاخِلاً عِنْدَ عَدَمِ وَالِدِهِ ؛ لَا عِنْدَ عَدَمِ وَالِدِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 309
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٩