تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
وَكَثِيراً مَا قَدْ يَغْلَطُ بَعْضُ الْمُتَطَرِّفِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ ، فَإِنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ شَرْطِ وَاقِفٍ ، أَوْ يَمِينِ حَالِفٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ : فَيَرَى أَوَّلَ الْكَلَامِ مُطْلَقاً أَوْ عَامّاً ، وَقَدْ قُيِّدَ فِي آخِرِهِ . فَتَارَةً يَجْعَلُ هَذَا مِنْ بَابِ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ ، وَيَحْكُمُ عَلَيْهِمَا بِالْأَحْكَامِ الْمَعْرُوفَةِ لِلدَّلَائِلِ الْمُتَعَارِضَةِ مِنْ التَّكَافُؤِ وَالتَّرْجِيحِ ، وَتَارَةً يَرَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُتَنَاقِضٌ ؛ لِاخْتِلَافِ آخِرِهِ ، وَأَوَّلِهِ ، وَتَارَةً يَتَلَدَّدُ تَلَدُّدَ الْمُتَحَيِّرِ ، وَيَنْسِبُ الشَّاطِرَ إلَى فِعْلِ الْمُقَصِّرِ . وَرُبَّمَا قَالَ : هَذَا غَلَطٌ مِنْ الْكَاتِبِ . وَكُلُّ هَذَا مُنْشَؤُهُ مِنْ عَدَمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ وَالْكَلَامِ الْمُنْفَصِلِ . وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ أَوَّلِ كَلَامِهِ حَتَّى يَسْكُتَ سُكُوتاً قَاطِعاً ، وَإِنَّ الْكَاتِبَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ كِتَابِهِ حَتَّى يَفْرَغَ فَرَاغاً قَاطِعاً : زَالَتْ عَنْهُ كُلُّ شُبْهَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَعُلِمَ صِحَّةُ مَا تَقُولُهُ الْعُلَمَاءُ فِي دَلَالَاتِ الْخِطَابِ . وَمِنْ أَعْظَمِ التَّقْصِيرِ نِسْبَةُ الْغَلَطِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ مَعَ إمْكَانِ تَصْحِيحِ كَلَامِهِ ، وَجَرَيَانِهِ عَلَى أَحْسَنِ أَسَالِيبِ كَلَامِ النَّاسِ ، ثُمَّ يُعْتَبَرُ أَحَدُ الْمَوْضِعَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِالْغَلَطِ دُونَ الْآخَرِ ، فَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ : قَوْلُهُ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ . غَلِطَ ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَالَ : قَوْلُهُ : " ثُمَّ " هُوَ الْغَلَطُ ؛ فَإِنَّ الْغَلَطَ فِي تَبْدِيلِ حَرْفٍ بِحَرْفٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَاتِبِ أَوْلَى مِنْ الْغَلَطِ بِذِكْرِ عِدَّةِ كَلِمَاتٍ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ : عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ ، وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ ، وَلَا نَسْلٍ ، وَلَا عَقِبٍ ، مُشْتَمِلٌ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ كَلِمَاتٍ . ثُمَّ مِنْ الْعَجَبِ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا تَوْكِيدٌ ؛ وَالْمُؤَكِّدُ إنَّمَا يُزِيحُ الشُّبْهَةَ ؛ فَكَانَ قَوْلُهُ : مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ . أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ : مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ . إذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْبَابَيْنِ وَاحِداً ، وَقُصِدَ التَّوْكِيدُ ؛ فَإِنَّ نَقْلَ نَصِيبِ الْمَيِّتِ إلَى إخْوَتِهِ مَعَ وَلَدِهِ تَنْبِيهٌ عَلَى نَقْلِهِ إلَيْهِمْ مَعَ عَدَمِهِمْ . إمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيدُ بِبَيَانِ الْحُكْمِ الْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ فَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ حُدُودِ الْعَقْلِ وَالْكَلَامِ . ثُمَّ التَّوْكِيدُ لَا يَكُونُ بِالْأَوْصَافِ الْمُقَيِّدَةِ لِلْمَوْصُوفِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : أَكْرِمْ الرِّجَالَ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ : أَرَدْت إكْرَامَ جَمِيعِ الرِّجَالِ ، وَخَصَصْت الْمُسْلِمِينَ بِالذِّكْرِ تَوْكِيداً ، وَذِكْرُهُمْ لَا يَنْفِي غَيْرَهُمْ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي الِاسْمِ الْأَوَّلِ : لَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ سَاقِطاً غَيْرَ مَقْبُولٍ أَصْلاً ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ صِفَةُ الرِّجَالِ ؛ وَالصِّفَةُ تُخَصِّصُ الْمَوْصُوفَ . فَلَا يَبْقَى فِيهِ عُمُومٌ ؛ لَكِنْ لَوْ قَالَ : أَكْرِمْ الرِّجَالَ وَالْمُسْلِمِينَ - بِحَرْفِ الْعَطْفِ ، مَعَ اتِّفَاقِ الْحُكْمِ فِي الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَكَوْنِهِ بَعْضَهُ - لَكَانَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 301 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا