لِانْدِرَاجِهِ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ قِيلَ لَهُ : اللَّفْظُ الْعَامُّ لَمْ يَنْقَطِعُ وَيُسْكَتُ عَلَيْهِ حَتَّى يُعْمَلَ بِهِ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْصُولٌ بِمَا قَيَّدَهُ وَخَصَّصَهُ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ بَعْضُ الْكَلَامِ الْوَاحِدِ دُونَ بَعْضٍ ، وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ فَلَقِ الصُّبْحِ ؛ وَلَكِنْ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ .
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْهَرَ الْمُتَكَلِّمَ فِي هَذَا فَالْكَثِيرُ مِنْ النَّظَائِرِ الَّتِي يَصِلُ فِيهَا الْكَلَامُ الْعَامُّ أَوْ الْمُطْلَقُ بِمَا يَخُصُّهُ وَيُقَيِّدُهُ : مِثْلُ أَنْ تَقُولَ : وَقَفْت عَلَى الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ حَضَرَ الدَّرْسَ صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْمٍ اسْتَحَقَّ .
أَوْ وَقَفْت عَلَى الْفُقَرَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ جَاوَرَ بِالْحَرَمَيْنِ مِنْهُمْ اسْتَحَقَّ .
أَوْ تَقُولُ : عَلَى أَنْ يُجَاوِرَ بِأَحَدِ الْحَرَمَيْنِ ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَشْهَدُونَ الدَّرْسَ فِي كُلِّ غَدَاةٍ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ النَّظَائِرِ الَّتِي تَفُوتُ الْعَدَدَ وَالْإِحْصَاءَ .
وَمِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ بَعْضُ الْأَذْهَانِ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَحْسِبَ أَنَّ بَيْنَ أَوَّلِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ تَنَاقُضاً أَوْ تَعَارُضاً .
وَهَذَا شُبْهَةٌ مِنْ شُبُهَاتِ بَعْضِ الطَّمَاطِمِ مِنْ مُنْكِرِي الْعُمُومِ ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّيَغُ عَامَّةً لَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ رُجُوعاً أَوْ نَقْضاً .
وَهَذَا جَهْلٌ ؛ فَإِنَّ أَلْفَاظَ الْعَدَدِ نُصُوصٌ مَعَ جَوَازِ وُرُودِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَاماً } وَكَذَلِكَ النَّكِرَةُ فِي الْمُوجِبِ مُطْلَقَةٌ مَعَ جَوَازِ تَقْيِيدِهَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .
وَإِنَّمَا أُتِيَ هَؤُلَاءِ مِنْ حَيْثُ تَوَهَّمُوا أَنَّ الصِّيَغَ إذَا قِيلَ : هِيَ عَامَّةٌ : قِيلَ : إنَّهَا عَامَّةٌ مُطْلَقاً .
وَإِذَا قِيلَ : إنَّهَا عَامَّةٌ مُطْلَقاً ، ثُمَّ رَفَعَ بِالِاسْتِثْنَاءِ بَعْضَ مُوجِبِهَا : فَقَدْ اجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ الْمَرْفُوعِ الْعُمُومُ الْمُثْبِتُ لَهُ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ النَّافِي لَهُ .
وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ ، أَوْ رُجُوعٌ .
فَيُقَالُ لَهُمْ : إذَا قِيلَ : هِيَ عَامَّةٌ فَمِنْ شَرْطِ عُمُومِهَا أَنْ تَكُونَ مُنْفَصِلَةً عَنْ صِلَةٍ مُخَصِّصَةٍ ، فَهِيَ عَامَّةٌ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ؛ لَا عَامَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ .
وَاللَّفْظُ الْوَاحِدُ تَخْتَلِفُ دَلَالَتُهُ بِحَسَبِ إطْلَاقِهِ وَتَقْيِيدِهِ ؛ وَلِهَذَا أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ : لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ النَّقْدِ الْفُلَانِيِّ .
أَوْ مُكَسَّرَةٌ ، وَسُودٌ ، أَوْ نَاقِصَةٌ ، أَوْ طَبَرِيَّةٌ ، أَوْ أَلْفٌ إلَّا خَمْسِينَ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ : كَانَ مُقِرّاً بِتِلْكَ الصِّفَةِ الْمُقَيِّدَةِ .
وَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ رُجُوعاً لَمَا قُبِلَ فِي الْإِقْرَارِ ؛ إذْ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُ الْمُقِرِّ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 300
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٠