تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
نَسْتَدِلَّ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ الْمُطْلَقَةِ ؛ وَإِنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا بِمَا تَضَمَّنَهُ الشَّرْطُ مِنْ التَّقْيِيدِ ؛ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ جَيِّدٌ لَوْ كَانَ الْوَاقِفُ قَالَ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى ذَوِي طَبَقَتِهِ . وَلَوْ قَالَ هَذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ شُبْهَةُ أَنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ يَنْتَقِلُ إلَى ذَوِي الطَّبَقَةِ مَعَ الْوَلَدِ وَعَدَمُهُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ . مِنْهَا : أَنَّ هَذَا هُوَ مُوجَبُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلَمْ يُوصَلْ بِمَا يُغَيِّرُهُ . وَمِنْهَا : أَنَّهُ وُصِلَ بِمَا وَكَّدَ مُوجَبَ مُطْلَقِهِ . وَمِنْهَا : أَنَّهُ قَدْ شَرَطَ ذَلِكَ شَرْطاً نَفَى بِهِ الصَّرْفَ إلَى الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ وَنَفَى بِهِ الِانْقِطَاعَ ، سَوَاءٌ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ . وَإِنَّمَا صُورَةُ مَسْأَلَتِنَا أَنَّهُ قَالَ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ كَانَ نَصِيبُهُ لِذَوِي طَبَقَتِهِ . فَجُعِلَ الِانْتِقَالُ إلَيْهِمْ مَشْرُوطاً بِمَوْتِ الْمَيِّتِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ . وَهَذَا الشَّرْطُ - كَمَا أَنَّهُ قَدْ نُفِيَ بِهِ الِانْقِطَاعُ فَقَدْ قُيِّدَ بِهِ الِانْتِقَالُ إلَى ذَوِي الطَّبَقَةِ ، وَاللَّفْظُ دَالٌّ عَلَيْهِمَا دَلَالَةً صَرِيحَةً فَإِفَادَتُهُ لِإِحْدَاهُمَا لَا تَنْفِي إفَادَتَهُ لِلْأُخْرَى ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي الثَّلَاثَةِ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ : عَلَى أَنَّهُ مِنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي حَيَاة الْوَاقِف صُرِفَ نَصِيبُهُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ . فَهَلْ يَجُوز أَنْ يَصْرِفَ نَصِيبَهُ إلَى ذَوِي الطَّبَقَةِ إذَا مَاتَ بَعْد مَوْتِ الْوَاقِفِ . هَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ؛ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ : إنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْ مَوْتِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْوَاقِفِ ، فَيَكُونُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ . وَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ النَّاس قَدِيماً وَحَدِيثاً : إنَّهُ يَكُون لِلْمَسَاكِينِ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى جَعْلَهُ لِلثَّلَاثَةِ ؛ ثُمَّ لِلْمَسَاكِينِ ، فَحَيْثُ لَمْ يُصْرَفْ إلَى الثَّلَاثَةِ تَعَيَّنَ صَرْفُهُ إلَى الْمَسَاكِينِ ، لَحَصْرِ الْوَاقِفِ الْوَقْفَ فِيهَا ، مَعَ أَنْ بَحْثَ مَسْأَلَتِنَا أَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ؛ بَلْ لَوْ فُرِضَ أَنْ قَائِلاً قَدْ قَالَ : إذَا مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ يَكُونُ مُنْقَطِعاً ، وَإِذَا مَاتَ عَنْ وَلَدٍ لَمْ يَكُنْ : لَجَازَ أَنْ يُقَالَ : هَذَا الشَّرْطُ لِنَفْيِ احْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ دَالٌّ عَلَى التَّقْيِيدِ ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صَرْفِ نَصِيبِ الْمَيِّتِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ إلَى طَبَقَتِهِ ، وَعَلَى عَدَمِ الصَّرْفِ إلَيْهِمْ مَعَ الْوَلَد . فَالدَّلَالَةُ الْأُولَى تَنْفِي الِانْقِطَاعَ ، وَالدَّلَالَةُ الثَّانِيَةُ تُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا . بَلْ الْأُولَى حَصَلَتْ مِنْ وَضْعِ هَذَا اللَّفْظِ ، وَالثَّانِيَةُ حَصَلَتْ مِنْ مَجْمُوعِ الشَّرْطِ أَوْ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ ؛ فَكَيْفَ وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ ؟