تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
وَهَذَا كَلَامٌ بَيِّنٌ ، خُصُوصاً فِي بَابِ الْوُقُوفِ فَإِنَّ الْوَاقِفَ يُرِيدُ أَنْ يَشْرِطَ شُرُوطاً كَثِيرَةً فِي الْمَوْقُوفِ وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ : مِنْ الْجَمْعِ ، وَالتَّرْتِيبِ وَالتَّسْوِيَةِ ، وَالتَّفْصِيلِ ، وَالْإِطْلَاقِ ، وَالتَّقَيُّدِ : يَحْتَمِلُ سِجِلّاً كَبِيراً . ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ مُسْلِمٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ أَوَّلِ كَلَامِهِ إطْلَاقاً وَعُمُوماً وَإِلْغَاءُ آخِرِهِ ، أَوْ يُجْعَلُ مَا قَيَّدَهُ وَفَصَّلَهُ وَخَصَّصَهُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ مُنَاقِضاً أَوْ مُعَارِضاً لِمَا صَدَّرَ بِهِ كَلَامَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُطْلَقَةِ أَوْ الْعَامَّةِ ؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مِثْلُ رَجُلٍ نَظَرَ فِي وَقْفٍ قَدْ قَالَ وَاقِفُهُ : وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ . ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : وَمِنْ شَرْطِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ أَوْ عُدُولاً ، وَنَحْوَ ذَلِكَ : فَقَالَ : هَذَا الْكَلَامُ مُتَعَارِضٌ : لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ قَدْ وَقَفَ عَلَى الْجَمِيعِ وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِتَخْصِيصِ الْبَعْضِ ، ثُمَّ يَجْعَلُ هَذَا مِنْ بَابِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَمِنْ بَابِ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ خَبْطٌ ؛ إذْ التَّعَارُضُ فَرْعٌ عَلَى اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالدَّلَالَةِ ، وَالِاسْتِقْلَالُ بِالدَّلَالَةِ فَرْعٌ عَلَى انْقِضَاءِ الْكَلَامِ وَانْفِصَالِهِ ، فَأَمَّا مَعَ اتِّصَالِهِ بِمَا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ فَلَا يَجُوزُ جَعْلُ بَعْضِهِ دَلِيلاً مُخَالِفاً لِبَعْضٍ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُوَفِّقُنَا وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ . فَإِنْ قِيلَ : قَوْلُهُ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ . يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْوَقْفَ يَنْتَقِلُ إلَى مَنْ بَقِيَ ؛ وَأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ فِي وَسَطِهِ ؛ فَإِنَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَدْ خَرَجَ فِي قَوْلِهِ : عَلَى وَلَدِي ، ثُمَّ عَلَى وَلَد وَلَدِي إذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ؛ كَالْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي قَوْلِهِ : عَلَى أَوْلَادِي الثَّلَاثَةِ ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ . أَحَدُهَا - وَهُوَ الْمَشْهُورُ - أَنَّهُ يَكُونُ لِلْبَاقِينَ مِنْ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ ؛ كَمَا لَوْ انْقَرَضَتْ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ يَكُون مَسْكُوتاً . فَيَكُونُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ ؛ كَمَا لَوْ قَالَ : وَقَفْته عَلَى زَيْدٍ : وَبَعْدَ مَوْتِهِ بِعَشْرِ سِنِينَ عَلَى الْمَسَاكِينِ . وَإِذَا كَانَ انْقِطَاعُهُ فِي وَسَطٍ عِنْدَ مَوْتِ الْوَاحِدِ مُحْتَمِلاً ، فَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِفُ هَذَا الشَّرْطَ لِيَنْفِيَ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَإِنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ مُقْتَضَى الْوَقْفِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ؛ ثُمَّ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يَكُونُ مُطَابِقاً لِمُقْتَضَى الْمَدْلُولِ ؛ فَيَزِيدُ مُوجِبَهَا تَوْكِيداً . قُلْنَا : سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ هَذَا كَلَامُ مَنْ قَدْ نَأَى عَنْ مَوْضِعِ اسْتِدْلَالِنَا ، فَإِنَّا لَمْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 303 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا