تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أُسَافِرُ ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتاً طَوِيلاً ، ثُمَّ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ . أَوْ قَالَ : إلَى الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ . أَوْ قَالَ : وَلَا أَتَزَوَّجُ . أَوْ قَالَ : لَا أُسَافِرُ رَاجِلاً . لَمْ تَتَقَيَّدْ الْيَمِينُ بِذَلِكَ . وَلَوْ حَلَفَ مَرَّةً : لَا أُسَافِرُ ، ثُمَّ حَلَفَ مَرَّةً ثَانِيَةً : لَا يُسَافِرُ رَاجِلاً . لَمْ تُقَيَّدْ الْيَمِينُ الْأُولَى بِقَيْدِ الثَّانِيَةِ . وَلَوْ قَالَ : لَا أُسَافِرُ رَاجِلاً . لَتَقَيَّدَتْ يَمِينُهُ بِذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ . فَلَمَّا قَالَ هُنَا : وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ كَانَ نَصِيبُهُ لِذَوِي طَبَقَتِهِ : صَارَ الْمَعْنَى وَقَفْت وَقْفاً مُقَيَّداً بِهَذَا الْقَيْدِ الْمُتَضَمِّنِ انْتِقَالَ نَصِيبِ الْمُتَوَفَّى إلَى أَهْلِ طَبَقَتِهِ بِشَرْطِ عَدَمِ وَلَدِهِ . وَصَارَ مِثْلُ هَذَا أَنْ يَقُولَ : وَقَفْت عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَنَسْلِي وَعَقِبِي : عَلَى أَنَّ الْأَوْلَادَ يَسْتَحِقُّونَ هَذَا الْوَقْفَ بَعْدَ مَوْتِ آبَائِهِمْ . أَفَلَيْسَ كُلُّ فَقِيهٍ يُوجِبُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَوْلَادِ مَشْرُوطٌ بِمَوْتِ الْآبَاءِ ؟ وَأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي اقْتَضَى التَّشْرِيكَ ؟ وَيُوَضِّحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي قَدْ يُظَنُّ أَنَّهَا مِثْلُ هَذِهِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ : لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْمَسَاكِينِ شَيْءٌ حَتَّى يَمُوتَ الثَّلَاثَةُ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ . فَلَوْ قَالَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ : وَقَفْت عَلَى زَيْدٍ وَعُمَرَ وَبَكْرٍ ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ الثَّلَاثَةِ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى الْآخَرَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِ الْوَقْفِ مِسْكِينٌ . أَوْ قَالَ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَسَاكِينِ أَحَدٌ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى الْآخَرَيْنِ . أَوْ يَقُولُ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ الثَّلَاثَةِ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى الْآخَرَيْنِ إنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ . أَوْ إنْ كَانَا مُقِيمَيْنِ بِبَلَدِ الْوَقْفِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . أَفَلَيْسَ كُلُّ فَقِيهٍ ؛ بَلْ كُلُّ عَاقِلٍ يَقْضِي بِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْبَاقِينَ لِنَصِيبِ الْمُتَوَفَّى مَشْرُوطٌ بِهَذَا الشَّرْطِ ؟ وَأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْكَلَامُ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يَتِمُّ بِآخِرِهِ ، وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْكَلَامِ الْمُقَيَّدِ دُونَ مُطْلَقِهِ ، وَهَذَا مِمَّا قَدْ اضْطَرَّ اللَّهُ الْعُقَلَاءَ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، إلَّا أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الْبَصِيرَةِ وَبَيْنَ الْإِدْرَاكِ مَانِعٌ ، فَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ . وَمَسْأَلَتُنَا أَوْضَحُ مِنْ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ . وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ : وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِي ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ، عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَهُوَ عَدْلٌ انْتَقِلْ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ . فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ الْوَقْفُ إلَى الْوَلَدِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِماً أَوْ كَافِراً ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَدْلاً أَوْ فَاسِقاً فَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 299 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا