898 - 57 - مَسْأَلَةٌ : فِي وَاقِفٍ وَقَفَ وَقْفاً عَلَى أَوْلَادِهِ ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ، وَنَسْلِهِ ، وَعَقِبِهِ ، دَائِماً مَا تَنَاسَلُوا : عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ : كَانَ مَا كَانَ جَارِياً عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَذَوِي طَبَقَتِهِ .
فَإِذَا تُوُفِّيَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ عَنْ وَلَدٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ ، أَوْ نَسْلٍ أَوْ عَقِبٍ لِمَنْ يَكُونُ نَصِيبُهُ ؟ هَلْ يَكُونُ لِوَلَدِهِ ؟ أَوْ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَبَنِي الْعَمِّ وَنَحْوِهِمْ ؟
الْجَوَابُ : نَصِيبُهُ يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدِهِ دُونَ إخْوَتِهِ وَبَنِي عَمِّهِ : لِوُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ نَذْكُرُ مِنْهَا ثَلَاثَةً : أَحَدُهَا : إنَّ قَوْلَهُ : عَلَى أَوْلَادِهِ ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ .
مُقَيَّدٌ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَهُ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى ذَوِي طَبَقَتِهِ .
وَكُلُّ كَلَامٍ اتَّصَلَ بِمَا يُقَيِّدُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ الْمُقَيَّدُ دُونَ إطْلَاقِهِ أَوَّلَ الْكَلَامِ .
بَيَانُ الْمُقَدَّمَةِ الْأُولَى : إنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ .
فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ، وَالْحَالُ صِفَةٌ فِي الْمَعْنَى ، وَالصِّفَةُ مُقَيِّدَةٌ لِلْمَوْصُوفِ وَإِنْ شِئْت قُلْت : لِأَنَّهُ جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَّصِلٌ بِالْفِعْلِ ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مَفْعُولٌ فِي النَّفْيِ ، وَذَلِكَ مُقَيِّدٌ لِلْفِعْلِ .
وَإِنْ شِئْت قُلْت : لِأَنَّهُ كَلَامٌ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ ، فَيَجِبُ ضَمُّهُ إلَى مَا قَبْلَهُ .
وَإِنْ شِئْت قُلْت : لِأَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ لَمْ يَسْكُتْ عَلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُ حَتَّى وَصَلَهُ بِغَيْرِهِ ، وَصِلَةُ الْكَلَامِ مُقَيِّدَةٌ لَهُ .
وَكُلُّ هَذِهِ الْقَضَايَا مَعْلُومَةٌ بِالِاضْطِرَارِ فِي كُلِّ لُغَةٍ .
بَيَانُ الثَّانِيَةِ : إنَّ الْكَلَامَ مَتَى اتَّصَلَ بِهِ صِفَةٌ أَوْ شَرْطٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُغَيِّرُ مُوجِبَهُ عِنْدِ الْإِطْلَاقِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا ، وَلَمْ يَجُزْ قَطْعُ ذَلِكَ الْكَلَامِ عَنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ .
وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ أَيْضاً بَيْنَ الْفُقَهَاءِ بَلْ وَلَا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ .
وَعَلَى هَذَا تَنْبَنِي جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَقْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ : مِثْلُ الْوَقْفِ ، وَالْوَصِيَّةِ ، وَالْإِقْرَارِ ، وَالْبَيْعِ ، وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ ، وَالْإِجَارَةِ وَالشَّرِكَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ : يُرْجَعُ إلَى لَفْظِ الْوَاقِفِ فِي الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ .
وَلِهَذَا لَوْ كَانَ أَوَّلُ الْكَلَامِ مُطْلَقاً أَوْ عَامّاً وَوَصَلَهُ الْمُتَكَلِّمُ بِمَا يَخُصُّهُ أَوْ يُقَيِّدُهُ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِذَلِكَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 292
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٩٢