تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
السَّمْعِيَّةِ ، وَلَمْ يَتَدَرَّبْ فِيمَا عُلِّقَ بِأَقْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَلَا هُوَ جَرَى فِي فَهْمِ هَذَا الْخِطَابِ عَلَى الطَّبِيعَةِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ النَّقِيَّةِ ، فَارْتَفَعَ عَنْ شَأْنِ الْعَامَّةِ بِحَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ زُمْرَتَهُمْ فِيمَا يَفْهَمُونَهُ فِي عُرْفِ خِطَابِهِمْ ، وَانْحَطَّ عَنْ أَوْجِ الْخَاصَّةِ ، فَلَمْ يَهْتَدِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُشْتَبِهَاتِ فِي الْكَلَامِ ، حَتَّى تُقِرَّ الْفِطَرُ عَلَى مَا فَطَرَهَا عَلَيْهِ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ؛ وَالْحُمْقُ أَدَّى بِهِ إلَى الْخَلَاصِ مِنْ كُنَاسَةٍ بَتْراً ، وَمِنْ أَحْكَمِ الْعُلُومِ حَتَّى أَحَاطَ بِغَايَاتِهَا رَدَّهُ ذَلِكَ إلَى تَقْرِيرِ الْفِطَرِ عَلَى بِدَايَاتِهَا ، وَإِنَّمَا بُعِثَتْ الرُّسُل لِتَكْمِيلِ الْفِطْرَةِ ؛ لَا لِتَغْيِيرِهَا : { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } . وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ خَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْهُ إلَّا إعْطَاءَ أَهْلِ طَبَقَةِ الْمُتَوَفَّى أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُتَوَفَّى وَلَدٌ ، وَيَعْقِلُونَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ . وَإِنَّمَا نَشَأْ غَلَطُ الْغَالِطِ مِنْ حَيْثُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ فِيهِ عُمُومٌ ، وَالْكَلَامَ الثَّانِيَ قَدْ خَصَّ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ بِالذِّكْرِ ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ تَعَارُضِ الْعُمُومِ وَالْمَفْهُومِ . ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ نَظَرَ فِي كُتُبِ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَوْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ بِدَلَالَةِ الْمَفْهُومِ ، وَإِذَا قَالُوا بِهَا رَأَوْا دَلَالَةَ الْعُمُومِ رَاجِحَةً عَلَيْهَا ، لِكَوْنِ الْخِلَافَاتِ فِيهَا أَضْعَفَ مِنْهُ فِي دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِي الْعُمُومِ إلَّا شِرْذِمَةٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ ، وَقَدْ خَالَفَ فِي الْمَفْهُومِ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَطَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ ، حَتَّى قَدْ يُتَوَهَّمُ مَنْ وَقَعَ لَهُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ صَرِيحَ الشَّرْطِ أَوْ عُمُومَهُ لِمَفْهُومِ الصِّفَةِ مَعَ ضَعْفِهِ . فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْعَمَى فِي الْبَصِيرَةِ ، أَوْ حَوَلٍ يُرِي الْوَاحِدَ اثْنَيْنِ ؛ فَإِنَّ الْأَعْمَى أَسْلَمُ حَالاً فِي إدْرَاكِهِ مِنْ الْأَحْوَلِ إذَا كَانَ مُقَلِّداً لِلْبَصِيرِ ، وَالْبَصِيرُ صَحِيحُ الْإِدْرَاكِ . وَلَوْلَا خَشْيَةُ أَنْ يَحْسِبَ حَاسِبٌ أَنَّ لِهَذَا الْقَوْلِ مَسَاغاً ، أَوْ أَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ عَلَى أُصُولِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَكَانَ الْإِضْرَابُ عَنْ بَيَانِهِ أَوْلَى . فَيُقَالُ : هَذَا الَّذِي تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ هَلْ هِيَ حُجَّةٌ أَمْ لَا ؟ وَإِذَا كَانَتْ حُجَّةً ، فَهَلْ يُخَصُّ بِهَا الْعَامُّ أَمْ لَا ؟ إنَّمَا هُوَ فِي كَلَامَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ مِنْ مُتَكَلِّمٍ