لِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ .
فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ سَائِغاً ؟ وَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْمُسْتَوْفِي الْمَذْكُورُ تَنَاوُلَ مَا قُرِّرَ لَهُ أَمْ لَا ، إذَا قَامَ بِوَظِيفَتِهِ ؟ وَإِذَا كَانَتْ وَظِيفَتُهُ اسْتِرْجَاعَ الْحِسَابِ عَنْ كُلِّ سَنَةٍ عَلَى حُكْمِ أَوْضَاعِ الْكِتَابِ ؛ وَوَجَدَ ارْتِفَاعَ حِسَابِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ ، فَتَصَرَّفَ وَعَمِلَ فِيهِ وَظِيفَتَهُ .
هَلْ يَسْتَحِقُّ مَعْلُومَ الْمُدَّةِ الَّتِي اسْتَرْجَعَ حِسَابَهُمْ فِيهَا وَقَامَ بِوَظِيفَتِهِ بِذَلِكَ الْحِسَابِ ؟ .
الْجَوَابُ : نَعَمْ ، لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَنْصِبَ دِيوَاناً مُسْتَوْفِياً لِحِسَابِ الْأَمْوَالِ الْمَوْقُوفَةِ عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ ، كَمَا لَهُ أَنْ يَنْصِبَ الدَّوَاوِينَ مُسْتَوْفِياً لِحِسَابِ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ : كَالْفَيْءِ وَغَيْرِهِ .
وَلَهُ أَنْ يَفْرِضَ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِثْلُهُ : مِنْ كُلِّ مَالٍ يَعْمَلُ فِيهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ الْمَالِ ، وَاسْتِيفَاءِ الْحِسَابِ ، وَضَبْطِ مَقْبُوضِ الْمَالِ ، وَمَصْرُوفِهِ مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي لَهُ أَصْلٌ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } وَفِي الصَّحِيحِ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا رَجَعَ حَاسَبَهُ } .
وَهَذَا أَصْلٌ فِي مُحَاسَبَةِ الْعُمَّالِ الْمُتَفَرِّقِينَ .
وَالْمُسْتَوْفِي الْجَامِعُ نَائِبُ الْإِمَامِ فِي مُحَاسَبَتِهِمْ ، وَلَا بُدَّ عِنْدَ كَثْرَةِ الْأَمْوَالِ مُحَاسَبَتُهُمْ مِنْ دِيوَانٍ جَامِعٍ .
وَلِهَذَا لَمَّا كَثُرَتْ الْأَمْوَالُ عَلَى عَهْد أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَضَعَ " الدَّوَاوِينَ " دِيوَانَ الْخَرَاجِ ، وَهُوَ دِيوَانُ الْمُسْتَخْدَمِينَ عَلَى الِارْتِزَاقِ ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ .
وَدِيوَانَ النَّفَقَاتِ ، وَهُوَ دِيوَانُ الْمَصْرُوفِ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ الَّذِي يُشْبِهُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ دِيوَانَ الْحَبْسِ وَالثُّبُوتَاتِ نَحْوَ ذَلِكَ .
وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ .
وَكَذَلِكَ الْأَمْوَالُ الْمَوْقُوفَةُ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ مِنْ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ وَنَحْوِهِ إجْرَاؤُهَا عَلَى الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ الْمُوَافِقَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ ، وَإِقَامَةُ الْعُمَّالِ عَلَى مَا لَيْسَ عَلَيْهِ عَامِلٌ مِنْ جِهَةِ النَّاظِرِ .
وَالْعَامِلُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ يَدْخُلُ فِيهِ الَّذِي يُسَمَّى نَاظِراً ، وَيَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُ النَّاظِرِ لِقَبْضِ الْمَالِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ صَرْفُهُ وَدَفْعُهُ إلَى مَنْ هُوَ لَهُ ؛ لِقَوْلِهِ : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا } وَنَصْبُ الْمُسْتَوْفِي الْجَامِعِ لِلْعُمَّالِ الْمُتَفَرِّقِينَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 284
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٤