وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ؛ لَكِنْ قَدْ تَخْتَلِفُ آرَاءُ النَّاسِ وَأَهْوَاؤُهُمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ ، وَلَا يُمْكِنُ هُنَا تَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ .
وَلَكِنْ مَنْ لَهُ هِدَايَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ .
وَتُسَمِّي الْعُلَمَاءُ مِثْلَ هَذِهِ الْأُصُولِ " تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ " وَذَلِكَ كَمَا أَنَّهُمْ جَمِيعَهُمْ يَشْتَرِطُونَ الْعَدَالَةَ فِي الشَّهَادَةِ ؛ وَيُوجِبُونَ النَّفَقَةَ بِالْمَعْرُوفِ ؛ وَنَحْوَ ذَلِكَ .
ثُمَّ قَدْ يَخْتَلِفُ اجْتِهَادُهُمْ فِي بَعْضِ الشُّرُوطِ ، هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي الْعَدَالَةِ ؟ وَيَخْتَلِفُونَ فِي صِفَةِ الْإِنْفَاقِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا يُنَبِّهُ عَنْ مِثَالِهِ .
أَمَّا إذَا اشْتَرَطَ عَلَى أَهْلِ الرِّبَاطِ أَوْ الْمَدْرَسَةِ أَنْ يُصَلُّوا فِيهَا الْخَمْسَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فَإِنْ كَانَتْ فِيمَا فِيهِ مَقْصُودٌ شَرْعِيٌّ ؛ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَكَان بِعَيْنِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ فِي تَعْيِينِ ذَلِكَ الْمَكَانِ قُرْبَةٌ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ ؛ بِأَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ إذَا لَمْ يُصَلِّ صَلَاةً تَكُونُ مِثْلَ تِلْكَ أَوْ أَفْضَلَ ؛ وَإِلَّا وَجَبَ الْوَفَاءُ بِالصَّلَاةِ ؛ دُونَ التَّعْيِينِ وَالْمَكَانِ ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّعْيِينِ مَقْصُودٌ شَرْعِيٌّ .
فَإِذَا كَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ هُنَاكَ فِي جَمَاعَةٍ اُعْتُبِرَتْ الْجَمَاعَةُ ، فَإِنَّهَا مَقْصُودٌ شَرْعِيٌّ بِحَيْثُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ الصَّحِيحِ ؛ وَأَمَّا التَّعْيِينُ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ .
أَمَّا اشْتِرَاطُ التَّعَزُّبِ وَالرَّهْبَانِيَّةِ فَالْأَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ بِحَالٍ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا عَلَى أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَلَا عَلَى أَهْلِ الْجِهَادِ ؛ فَإِنَّ غَالِبَ الْخَلْقِ يَكُونُ لَهُمْ شَهَوَاتٌ وَالنِّكَاحُ فِي حَقِّهِمْ مَعَ الْقُدْرَةِ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ ؛ فَاشْتِرَاطُ التَّعَزُّبِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ إنْ كَانَ فَهُوَ مُنَاقَضَةٌ لِلشَّرْعِ .
وَإِنْ قِيلَ : الْمَقْصُودُ بِالتَّعَزُّبِ الَّذِي لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ خَرَجَ عَامَّةُ الشَّبَابِ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ ؛ وَهُمْ الَّذِينَ تُرْجَى الْمَنْفَعَةُ بِتَعْلِيمِهِمْ فِي الْغَالِبِ ؛ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ قَالَ : وَقَفْت عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ الَّذِينَ لَا تُرْجَى مَنْفَعَتُهُمْ فِي الْغَالِبِ ؛ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَتَاهُ مَالٌ قَسَمَ لِلْآهِلِ قِسْمَيْنِ ؛ وَلِلْعَزَبِ قِسْماً } ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ الْآهِلُ مَحْرُوماً .
وَقَدْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ الْمُتَعَلِّمِينَ الْمُتَعَبِّدِينَ : { يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 267
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦٧