تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
أَحَدُهَا : عَمَلٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ الْوَاجِبَاتُ ، وَالْمُسْتَحَبَّاتُ الَّتِي رَغَّبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، وَحَضَّ عَلَى تَحْصِيلِهَا . فَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَيَقِفُ اسْتِحْقَاقُ الْوَقْفِ عَلَى حُصُولِهِ فِي الْجُمْلَةِ . وَالثَّانِي : عَمَلٌ قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ ، أَوْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ ، فَاشْتِرَاطُ مِثْلِ هَذَا الْعَمَلِ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ ، لِمَا قَدْ اسْتَفَاضَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَطَبَ عَلَى مِنْبَرِهِ فَقَالَ : { مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشُرُوطُ اللَّهِ أَوْثَقُ } . وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ خَرَجَ بِسَبَبِ شَرْطِ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ ، لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَا كَانَ مِنْ الشُّرُوطِ مُسْتَلْزِماً وُجُودَ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّارِعُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا نَهَى عَنْهُ وَمَا عُلِمَ بِبَعْضِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا عُلِمَ أَنَّهُ صَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ ؛ لَكِنْ قَدْ يَخْتَلِفُ اجْتِهَادُهُمْ فِي ذَلِكَ الشَّرْطِ ، بِنَاءً عَلَى هَذَا ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْأُمَّةِ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَطُ لَيْسَ مُحَرَّماً فِي نَفْسِهِ ؛ لَكِنَّهُ مُنَافٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ . فَمِثَالُ هَذِهِ الشُّرُوطِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى أَهْلِ الرِّبَاطِ مُلَازَمَتَهُ ، هَذَا مَكْرُوهٌ فِي الشَّرِيعَةِ ، كَمَا قَدْ أَحْدَثَهُ النَّاسُ ، أَوْ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْفُقَهَاءِ اعْتِقَادَ بَعْضِ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، أَوْ بَعْضِ الْأَقْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ ، أَوْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ تَرْكَ بَعْضِ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ ، أَوْ فِعْلَ بَعْضِ بِدَعِهَا ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ ، وَأَنْ يَصِلَ الْأَذَانَ بِذِكْرٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ ، أَوْ أَنْ يُقِيمَ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَدْرَسَةِ وَالْمَسْجِدِ مَعَ إقَامَةِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ لَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا وُحْدَاناً . وَمِمَّا يَلْتَحِقُ بِهَذَا الْقِسْمِ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مُسْتَلْزِماً لِلْحَضِّ عَلَى تَرْكِ مَا نَدَبَ إلَيْهِ الشَّارِعُ ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى أَهْلِ رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ إلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ أَنْ يُصَلُّوا فِيهَا فَرْضَهُمْ ، فَإِنَّ هَذَا دُعَاءٌ إلَى تَرْكِ أَدَاءِ الْفَرْضِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مِثْلِ هَذَا ؛