تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
وَلِهَذَا فَرَّقَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ وَعَلَى جِهَةٍ . فَلَوْ وَقَفَ أَوْ وَصَّى لِمُعَيَّنٍ جَازَ ، وَإِنْ كَانَ كَافِراً ذِمِّيّاً لِأَنَّ صِلَتَهُ مَشْرُوعَةٌ . كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً } ، وَمِثْلُ حَدِيثِ { أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ لَمَّا قَدِمَتْ أُمُّهَا وَكَانَتْ مُشْرِكَةً فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ ، وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا ؟ قَالَ : صِلِي أُمَّكَ } وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } . وقَوْله تَعَالَى { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } . فَبَيَّنَ أَنَّ عَطِيَّةَ مِثْلِ هَؤُلَاءِ إنَّمَا يُعْطُونَهَا لِوَجْهِ اللَّهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ } فَإِذَا أَوْصَى أَوْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ ، وَكَانَ كَافِراً ، أَوْ فَاسِقاً ، لَمْ يَكُنْ الْكُفْرُ وَالْفِسْقُ هُوَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَلَا شَرْطاً فِيهِ ، بَلْ هُوَ يَسْتَحِقُّ مَا أَعْطَاهُ وَإِنْ كَانَ مُسْلِماً عَدْلاً فَكَانَتْ الْمَعْصِيَةُ عَدِيمَةَ التَّأْثِيرِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَعَلَهَا شَرْطاً فِي ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْكُفَّارِ وَالْفُسَّاقِ ، أَوْ عَلَى الطَّائِفَةِ الْفُلَانِيَّةِ ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُوا كُفَّاراً أَوْ فُسَّاقاً ، فَهَذَا الَّذِي لَا رَيْبَ فِي بُطْلَانِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي الْوَقْفِ عَلَى جِهَةٍ مُبَاحَةٍ ، الْوَقْفُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَالْأُصُولُ أَنَّهُ بَاطِلٌ أَيْضاً ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي مَالِ الْفَيْءِ : { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } فَأَخْبَرَ