الْحَدِيثِ : { خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ ؛ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا كَفَى } .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
858 - 17 مَسْأَلَةٌ : فِي رَجُلٍ وَقَفَ وَقْفاً وَشَرَطَ فِيهِ شُرُوطاً عَلَى جَمَاعَةِ قُرَّاءٍ ، وَأَنَّهُمْ يَحْضُرُونَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَقْرَؤُونَ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ، ثُمَّ يَتَدَاوَلُونَ النَّهَارَ بَيْنَهُمْ يَوْماً ، مَثْنَى مَثْنَى ، وَيَجْتَمِعُونَ أَيْضاً بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ يَقْرَأُ كُلٌّ مِنْهُمْ حِزْبَيْنِ ، وَيَجْتَمِعُونَ أَيْضاً فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ .
جُمْلَةُ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الشَّهْرِ سَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ مَرَّةً عَلَى هَذَا النَّحْوِ عِنْدَ قَبْرِهِ بِالتُّرْبَةِ ؛ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَيْضاً أَنْ يَبِيتُوا كُلَّ لَيْلَةٍ بِالتُّرْبَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَجَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ سَكَناً يَلِيقُ بِهِ ، وَشَرَطَ لَهُمْ جَارِياً مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ يَتَنَاوَلُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، وَفِي كُلِّ شَهْرٍ .
فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ الْحُضُورُ عَلَى شَرْطِهِ عَلَيْهِمْ ؟ أَمْ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَتَّصِفُوا بِتِلْكَ الصِّفَاتِ فِي أَيِّ مَكَان أَمْكَنَ إقَامَتُهُمْ بِوَظِيفَةِ الْقِرَاءَةِ ، أَوْ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَكَانُ وَلَا الزَّمَانُ ؟ وَهَلْ يَلْزَمُهُمْ أَيْضاً أَنْ يَبِيتُوا بِالْمَكَانِ الْمَذْكُورِ أَمْ لَا ؟ وَإِنْ قِيلَ بِاللُّزُومِ فَاسْتَخْلَفَ أَحَدُهُمْ مَنْ يَقْرَأُ عَنْهُ وَظِيفَتَهُ فِي الْوَقْفِ ، وَالْمَكَانِ وَالْوَاقِفُ شَرَطَ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ أَنْ يَسْتَنِيبُوا فِي أَوْقَاتِ الضَّرُورَاتِ فَمَا هِيَ الضَّرُورَةُ الَّتِي تُبِيحُ النِّيَابَةَ ؟ وَأَيْضاً إنْ نَقَصَهُمْ النَّاظِرُ مِنْ مَعْلُومِهِمْ الشَّاهِدِ بِهِ كِتَابُ الْوَقْفِ : فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصُوا مِمَّا شُرِطَ عَلَيْهِمْ ؟ وَسَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ بِسَبَبِ ضَرُورَةٍ .
أَوْ مِنْ اجْتِهَادِ النَّاظِرِ أَوْ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادِهِ ، وَلْيَشْفِ سَيِّدُنَا بِالْجَوَابِ مُسْتَوْعِباً بِالْأَدِلَّةِ ، وَيُجْلِي بِهِ عَنْ الْقُلُوبِ كُلَّ عُسْرٍ مُثَاباً فِي ذَلِكَ .
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - وَهُوَ عَلَى أَهْلِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْوَصِيَّةُ لِأَهْلِهَا وَالنَّذْرُ لَهُمْ - أَنَّ تِلْكَ الْأَعْمَالَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مِنْ الطَّاعَاتِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَإِذَا كَانَتْ مَنْهِيّاً عَنْهَا لَمْ يَجُزْ الْوَقْفُ عَلَيْهَا .
وَلَا اشْتِرَاطُهَا فِي الْوَقْفِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَذَلِكَ فِي النَّذْرِ وَنَحْوِهِ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْوَقْفِ وَالنَّذْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لَيْسَ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَصْلاً .
الفتاوى الكبرى — صفحة 247
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤٧