وَسَائِرُ النَّاسِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ ، وَهُوَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ تَنْفِيذُهُ بِلَا رَيْبٍ .
ثُمَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا هِيَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُبَاحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَالْغِنَى بِالْمَالِ .
وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ كَالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ وَالْجِهَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ الثَّانِي .
وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوقَفَ إلَّا عَلَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَأَحَبَّهُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ .
فَأَمَّا مَنْ ابْتَدَعَ عَمَلاً لَمْ يُشَرِّعْهُ اللَّهُ ، وَجَعَلَهُ دِيناً فَهَذَا يُنْهَى عَنْ عَمَلِ هَذَا الْعَمَلِ ، فَكَيْفَ يُشَرَّعُ لَهُ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ الْأَمْوَالَ ، بَلْ هَذَا مِنْ جِنْسِ الْوَقْفِ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِبَادَاتٍ ، وَذَلِكَ مِنْ الدِّينِ الْمُبَدَّلِ أَوْ الْمَنْسُوخِ .
وَلِهَذَا جَعَلْنَا هَذَا أَحَدَ الْأَصْلَيْنِ فِي الْوَقْفِ .
وَذَلِكَ أَنَّ بَابَ الْعِبَادَاتِ وَالدِّيَانَاتِ وَالتَّقَرُّبَاتِ مُتَلَقَّاةٌ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئاً عِبَادَةً أَوْ قُرْبَةً إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ .
قَالَ تَعَالَى : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إلَيْك فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ } .
وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ كَثِيرٌ ، يَأْمُرُ اللَّهُ فِيهِ بِطَاعَةِ رَسُولِهِ وَاتِّبَاعِ كِتَابِهِ ، وَيَنْهَى عَنْ اتِّبَاعِ مَا لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ .
وَالْبِدَعُ جَمِيعُهَا كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الْبِدْعَةَ الشَّرْعِيَّةَ - أَيْ الْمَذْمُومَةَ فِي الشَّرْعِ - هِيَ مَا لَمْ يُشَرِّعْهُ اللَّهُ فِي الدِّينِ ، أَيْ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .
فَأَمَّا إنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ الشِّرْعَةِ لَا مِنْ الْبِدْعَةِ الشَّرْعِيَّةِ .
وَإِنْ كَانَ قَدْ فُعِلَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا عُرِفَ مِنْ أَمْرِهِ : كَإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَجَمْعِ الْمُصْحَفِ ، وَجَمْعِ النَّاسِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 253
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٣