تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
تَحْتَ أَمْرِهِمَا . وَقَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ أَنْ يُسَلِّمَ إلَى السَّفِيهِ مَالَ نَفْسِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ نَهَى عَنْ تَسْلِيمِ مَالِ نَفْسِهِ إلَيْهِ ، إلَّا إذَا أُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ . وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى النَّوْعَيْنِ كِلَيْهِمَا : فَقَدْ نَهَى اللَّهُ أَنْ يُجْعَلَ السَّفِيهُ مُتَصَرِّفاً لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ : بِالْوَكَالَةِ ، أَوْ الْوِلَايَةِ . وَصَرْفُ الْمَالِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ فِي الدِّينِ وَلَا الدُّنْيَا مِنْ أَعْظَمِ السَّفَهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنْهِيّاً عَنْهُ فِي الشَّرْعِ . إذَا عُرِفَ هَذَا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوَاقِفَ لَا يَنْتَفِعُ بِوَقْفِهِ فِي الدُّنْيَا ، كَمَا يَنْتَفِعُ بِمَا يَبْذُلُهُ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ ، وَهَذَا أَيْضاً لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدِّينِ ، إنْ لَمْ يُنْفِقْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَسَبِيلُ اللَّهِ طَاعَتُهُ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا يُثِيبُ الْعِبَادَ عَلَى مَا أَنْفَقُوهُ فِيمَا يُحِبُّهُ ، وَأَمَّا مَا لَا يُحِبُّهُ فَلَا ثَوَابَ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَنَفَقَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَاجِبَةٌ ؛ فَلِهَذَا كَانَ الثَّوَابُ عَلَيْهَا أَعْظَمَ مِنْ الثَّوَابِ عَلَى التَّطَوُّعَاتِ عَلَى الْأَجَانِبِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُبَاحَاتُ الَّتِي لَا يُثِيبُ الشَّارِعُ عَلَيْهَا لَا يُثِيبُ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِيهَا وَالْوَقْفِ عَلَيْهَا . وَلَا يَكُونُ فِي الْوَقْفِ عَلَيْهَا مَنْفَعَةٌ وَثَوَابٌ فِي الدِّينِ ، وَلَا مَنْفَعَةَ فِي الْوَقْفِ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا . فَالْوَقْفُ عَلَيْهَا خَالٍ مِنْ انْتِفَاعِ الْوَاقِفِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، فَيَكُونُ بَاطِلاً . وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْأَغْنِيَاءِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبّاً بَلْ وَاجِباً ، فَإِنَّمَا ذَاكَ إذَا أَعْطَوْا بِسَبَبٍ غَيْرِ الْغِنَى ، مِنْ الْقَرَابَةِ وَالْجِهَادِ وَالدِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَأَمَّا إنْ جَعَلَ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ الْغِنَى وَتَخْصِيصُ الْغَنِيِّ بِالْإِعْطَاءِ مَعَ مُشَارَكَةِ الْفَقِيرِ لَهُ فِي أَسْبَابِ الِاسْتِحْقَاقِ سِوَى الْغَنِيِّ ، مَعَ زِيَادَةِ اسْتِحْقَاقِ الْفَقِيرِ عَلَيْهِ فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ فِي كُلِّ مِلَّةٍ أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ ، فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْوَقْفَ يَكُونُ فِيمَا يُؤَبَّدُ عَلَى الْكُفَّارِ وَنَحْوِهِمْ . وَفِيمَا يَمْنَعُ مِنْهُ التَّوَارُثَ ، وَهَذَا لَوْ أَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً رَاجِحَةً ، وَإِلَّا كَانَ يُمْنَعُ مِنْهُ الْوَاقِفُ ، لِأَنَّهُ فِيهِ حَبْسُ الْمَالِ عَنْ أَهْلِ الْمَوَارِيثِ ، وَمَنْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ . وَهَذَا مَأْخَذُ مَنْ قَالَ : لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ ، لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ تَرْكٌ لِقَوْلِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ . فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ ، بَلْ قَدْ حَبَسَ الْمَالَ فَمَنَعَهُ الْوَارِثُ