كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالْمَغَازِي ، مَعَ اتِّفَاقِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا عَامٌّ فِي حَقِّ غَيْرِ أُولَئِكَ الْمُعَيَّنِينَ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُمَاثِلُ قَضَايَاهُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .
وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مِمَّا اتَّفَقُوا عَلَى عُمُومِهِ ، وَأَنَّهُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي أُوتِيَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبُعِثَ بِهَا حَيْثُ قَالَ : { مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ } .
وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي الْعُقُودِ الْمُبَاحَاتِ ، كَالْبَيْعِ ، وَالْإِجَارَةِ ، وَالنِّكَاحِ : هَلْ مَعْنَى الْحَدِيثِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ خَالَفَ فِيهِ شَرْعاً ، أَوْ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطاً يَعْلَمُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ ؟ هَذَا فِيهِ تَنَازُعٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ .
: { كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ الْبَاطِلَ مَا خَالَفَ ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : { مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ } قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ .
وَصَاحِبُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَقُولُ : مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ ؛ فَهُوَ مِمَّا أُذِنَ فِيهِ فَيَكُونُ مَشْرُوعاً بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي الْعُقُودِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الطَّاعَاتُ كَالنَّذْرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَنْذُورُ طَاعَةً ، فَمَتَى كَانَ مُبَاحاً لَمْ يَجِبْ الْوَفَاءُ بِهِ ؛ لَكِنْ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، كَالنِّزَاعِ فِي الْكَفَّارَةِ بِنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ ؛ لَكِنَّ نَذْرَ الْمَعْصِيَةِ لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَنَذْرُ الْمُبَاحِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ أَيْضاً .
وَحُكْمُ الشُّرُوطِ فِيهِ يُعْرَفُ بِذِكْرِ أَصْلَيْنِ : أَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا وَقَفَ الْوُقُوفَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِيَنْتَفِعَ بِثَوَابِهِ ، وَأَجْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ إلَّا بِالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ .
لِهَذَا فَرَّقَ بَيْنَ مَا قَدْ يُقْصَدُ بِهِ مَنْفَعَةُ الدُّنْيَا ، وَبَيْنَ مَا لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ .
فَالْأَوَّلُ : كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ ، فَهَذَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَبْذُلَ مَالَهُ فِيهَا لِيُحَصِّلَ أَغْرَاضاً مُبَاحَةً دُنْيَوِيَّةً ، وَمُسْتَحَبَّةً وَدِينِيَّةً ، بِخِلَافِ الْأَغْرَاضِ الْمُحَرَّمَةِ .
وَأَمَّا الْوَقْفُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْذُلَ مِلْكَهُ إلَّا فِيمَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ ؛ فَإِنَّهُ إذَا بَذَلَهُ فِيمَا لَا يَنْفَعُهُ فِي الدِّينِ ، وَالْوَقْفُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الدُّنْيَا ، صَارَ بَذْلُ الْمَالِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ ؛ لَا فِي دِينِهِ ، وَلَا فِي دُنْيَاهُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 249
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤٩