فَإِنَّ هَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا أَنَّ كُلَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وُجُودَهُ وَكَوْنَهُ ، وَهِيَ الْإِرَادَةُ الْقَدَرِيَّةُ ، فَقَدْ أَمَرَ بِهِ وَرَضِيَهُ دُونَ الْإِرَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ رَأَوْا أَنَّ شِرْكَهُمْ بِغَيْرِ شَرْعٍ مِمَّا قَدْ شَاءَ اللَّهُ وُجُودَهُ ، قَالُوا فَيَكُونُ قَدْ رَضِيَهُ وَأَمَرَ بِهِ ، قَالَ اللَّهُ : هَكَذَا كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بِالشَّرَائِعِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ، قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا بِأَنَّ اللَّهَ شَرَعَ الشِّرْكَ وَتَحْرِيمَ مَا حَرَّمْتُوهُ ، إنْ تَتَّبِعُونَ فِي هَذَا إلَّا الظَّنَّ ، وَهُوَ تَوَهُّمُكُمْ أَنَّ كُلَّ مَا قَدَّرَهُ فَقَدْ شَرَّعَهُ ، وَإِنْ أَنْتُمْ إلَّا تَخْرُصُونَ ، أَيْ تَكْذِبُونَ وَتَفْرُونَ بِإِبْطَالِ شَرِيعَتِهِ .
{ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ } عَلَى خَلْقِهِ حِينَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ فَدَعَوْهُمْ إلَى تَوْحِيدِهِ وَشَرِيعَتِهِ ، وَمَعَ هَذَا فَلَوْ شَاءَ هَدَى الْخَلْقَ أَجْمَعِينَ إلَى مُتَابَعَةِ شَرِيعَتِهِ ، لَكِنَّهُ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَيَهْدِيهِ فَضْلاً مِنْهُ وَإِحْسَاناً ، وَيَحْرِمُ مَنْ يَشَاءُ ؛ لِأَنَّ الْمُتَفَضِّلَ لَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ وَلَهُ أَنْ لَا يَتَفَضَّلَ ، فَتَرْكُ تَفَضُّلِهِ عَلَى ، مَنْ حَرَمَهُ عَدْلٌ مِنْهُ وَقِسْطٌ ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ، وَهُوَ يُعَاقِبُ الْخَلْقَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ وَإِرَادَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَإِرَادَتُهُ الْقَدَرِيَّةُ ، فَإِنَّ الْقَدَرَ كَمَا جَرَى بِالْمَعْصِيَةِ جَرَى أَيْضاً بِعِقَابِهَا ، كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ يُقَدِّرُ عَلَى الْعَبْدِ أَمْرَاضاً تُعْقِبُهُ آلَاماً فَالْمَرَضُ بِقَدَرِهِ وَالْأَلَمُ بِقَدَرِهِ .
فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ : قَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِرَادَةُ بِالذَّنْبِ فَلَا أُعَاقَبُ ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْمَرِيضِ : قَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِرَادَةُ بِالْمَرَضِ فَلَا أَتَأَلَّمُ ، أَوْ قَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِرَادَةُ بِأَكْلِ الْحَارِّ فَلَا يُحَمُّ مِزَاجِي ، أَوْ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالضَّرْبِ فَلَا يَتَأَلَّمُ الْمَضْرُوبُ ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ جَهْلٌ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ ، بَلْ اعْتِلَالُهُ بِالْقَدَرِ ذَنْبٌ ثَانٍ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ أَيْضاً ، وَإِنَّمَا اعْتَلَّ بِالْقَدَرِ إبْلِيسُ حَيْثُ قَالَ : { بِمَا أَغْوَيْتنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ } .
وَأَمَّا آدَم فَقَالَ : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } .
فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ سَعَادَتَهُ أَلْهَمَهُ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ آدَم ، أَوْ نَحْوُهُ ، وَمَنْ أَرَادَ شَقَاوَتَهُ اعْتَلَّ بِعِلَّةِ إبْلِيسَ ، أَوْ نَحْوِهَا ، فَيَكُونُ كَالْمُسْتَجِيرِ مِنْ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ .
وَمَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ طَارَ إلَى دَارِهِ شَرَارَةُ نَارٍ ، فَقَالَ لَهُ الْعُقَلَاءُ : أَطْفِئْهَا لِئَلَّا تَحْرِقَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 197
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٧