تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ : إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالطَّاعَاتِ دُونَ الْمَعَاصِي ، سَوَاءٌ وَقَعَتْ أَوْ لَمْ تَقَعْ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } وَقَوْلِهِ : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ } . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهُوَ إرَادَةُ التَّقْدِيرِ فَهِيَ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ ، مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ الْحَادِثَاتِ ، وَقَدْ أَرَادَ مِنْ الْعَالِمِ مَا هُمْ فَاعِلُوهُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً } وَفِي قَوْلِهِ : { وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْت أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ } . وَفِي قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ : مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ . وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ تَتَنَاوَلُ مَا حَدَثَ مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي دُونَ مَا لَمْ يَحْدُثْ ، كَمَا أَنَّ الْأُولَى تَتَنَاوَلُ الطَّاعَاتِ ، حَدَثَتْ أَوْ لَمْ تَحْدُثْ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ أَرَادَ مِنْهُ تَشْرِيعاً مَا أَرَادَ بِهِ تَقْدِيراً . وَالْعَبْدُ الشَّقِيُّ مَنْ أَرَادَ بِهِ تَقْدِيراً مَا أَرَادَ بِهِ تَشْرِيعاً ، وَالْحُكْمُ يَجْرِي عَلَى وَفْقِ هَاتَيْنِ الْإِرَادَتَيْنِ . فَمَنْ نَظَرَ إلَى الْأَعْمَالِ بِهَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ كَانَ بَصِيراً ، وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْقَدَرِ دُونَ الشَّرْعِ ، أَوْ الشَّرْعِ دُونَ الْقَدَرِ ، كَانَ أَعْوَرَ ، مِثْلَ قُرَيْشٍ الَّذِينَ قَالُوا : { لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ } قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إنْ تَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إلَّا تَخْرُصُونَ }