تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُونَ أَهْلِيهِمْ قَدْراً وَنَوْعاً . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : كَانَ مَالِكٌ يَرَى فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنَّ الْمُدَّ يُجْزِئُ بِالْمَدِينَةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَأَمَّا الْبُلْدَانُ فَإِنَّ لَهُمْ عَيْشاً غَيْرَ عَيْشِنَا فَأَرَى أَنْ يُكَفِّرُوا بِالْوَسَطِ مِنْ عَيْشِهِمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد وَأَصْحَابِهِ مُطْلَقاً . وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ هَذَا الْقَوْلُ ، وَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ الْأَوْسَطُ خُبْزٌ وَلَبَنٌ ، خُبْزٌ وَسَمْنٌ ، وَخُبْزٌ وَتَمْرٌ . وَالْأَعْلَى خُبْزٌ وَلَحْمٌ ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْآثَارَ عَنْهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ ، وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَأُصُولِهِ ، فَإِنَّ أَصْلَهُ أَنَّ مَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الشَّارِعُ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ، وَهَذَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الشَّارِعُ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْله تَعَالَى { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } فَإِنَّ أَحْمَدَ لَا يُقَدِّرُ طَعَامَ الْمَرْأَةِ وَالْوَلَدِ وَلَا الْمَمْلُوكِ وَلَا يُقَدِّرُ أُجْرَةَ الْأَجِيرِ الْمُسْتَأْجَرِ بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ ، وَلَا يُقَدِّرُ الضِّيَافَةَ الْوَاجِبَةَ عِنْدَهُ قَوْلاً وَاحِداً ، وَلَا يُقَدِّرُ الضِّيَافَةَ الْمَشْرُوطَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ . هَذَا مَعَ أَنَّ هَذِهِ وَاجِبَةٌ بِالشَّرْطِ ، فَكَيْفَ يُقَدِّرُ طَعَاماً وَاجِباً بِالشَّرْعِ ، بَلْ وَلَا يُقَدِّرُ الْجِزْيَةَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَلَا الْخَرَاجَ ، وَلَا يُقَدِّرُ أَيْضاً الْأَطْعِمَةَ الْوَاجِبَةَ مُطْلَقاً سَوَاءٌ وَجَبَتْ بِشَرْعٍ أَوْ شَرْطٍ ، وَلَا غَيْرَ الْأَطْعِمَةِ مِمَّا وَجَبَتْ مُطْلَقاً ، فَطَعَامُ الْكَفَّارَةِ أَوْلَى أَنْ لَا يُقَدَّرَ . وَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ : فَمَالُهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ أَوْ اللُّغَةِ رَجَعَ فِي ذَلِكَ إلَيْهِمَا ، وَمَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِيهِمَا رَجَعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ، وَلِهَذَا لَا يُقَدِّرُ لِلْعُقُودِ أَلْفَاظاً ، بَلْ أَصْلُهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ جِنْسِ أَصْلِ مَالِكٍ ، كَمَا أَنَّ قِيَاسَ مَذْهَبِهِ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ نِصْفَ