وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ { النَّبِيِّ : أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً فَقَالَ : وَجَبَتْ وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرّاً فَقَالَ : وَجَبَتْ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا قَوْلُك وَجَبَتْ قَالَ : هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْراً فَقُلْت وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ ، وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرّاً فَقُلْت وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ .
أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ } " .
هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَفْسِيقَهُ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ وَوِلَايَتِهِ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ التَّحْذِيرَ مِنْهُ وَاتِّقَاءَ شَرِّهِ ، فَيَكْتَفِي بِمَا دُونَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : اعْتَبِرُوا النَّاسَ بِأَخْدَانِهِمْ .
وَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلاً يَجْتَمِعُ إلَيْهِ الْأَحْدَاثُ فَنَهَى عَنْ مُجَالَسَتِهِ ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُخَالِطاً فِي السَّيْرِ لِأَهْلِ الشَّرِّ يُحَذِّرُ عَنْهُ .
وَالدَّاعِي إلَى الْبِدْعَةِ مُسْتَحِقٌّ الْعُقُوبَةَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعُقُوبَتُهُ تَكُونُ تَارَةً بِالْقَتْلِ ، وَتَارَةً بِمَا دُونَهُ ، كَمَا قَتَلَ السَّلَفُ جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ ، وَالْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ ، وَغَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ ، وَغَيْرَهُمْ ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ أَوْ لَا يُمْكِنُ عُقُوبَتُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ بِدْعَتِهِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ .
وَالْبِدْعَةُ الَّتِي يُعَدُّ بِهَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَا اشْتَهَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ : كَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ ، وَالرَّوَافِضِ ، وَالْقَدَرِيَّةِ ، وَالْمُرْجِئَةِ ، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ ، وَيُوسُفَ بْنَ أَسْبَاطٍ ، وَغَيْرَهُمَا قَالُوا : أُصُولُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً هِيَ أَرْبَعٌ .
الْخَوَارِجُ ، وَالرَّوَافِضُ ، وَالْقَدَرِيَّةُ ، وَالْمُرْجِئَةُ .
قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ : فَالْجَهْمِيَّةُ ؟
الفتاوى الكبرى — صفحة 194
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٤