وَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ السُّحْتِ فَقَالَ : هُوَ أَنْ تَشْفَعَ لِأَخِيك شَفَاعَةً ، فَيُهْدِي لَك هَدِيَّةً فَتَقْبَلُهَا فَقَالَ لَهُ : أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ هَدِيَّةً فِي بَاطِلٍ ، فَقَالَ : ذَلِكَ كُفْرٌ ، { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } .
وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ : أَنَّ مَنْ أَهْدَى هَدِيَّةً لِوَلِيِّ أَمْرٍ لِيَفْعَلَ مَعَهُ مَا لَا يَجُوزُ كَانَ حَرَاماً عَلَى الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إلَيْهِ ، وَهَذِهِ مِنْ الرِّشْوَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ : " { لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ } " وَالرِّشْوَةُ تُسَمَّى الْبِرْطِيلَ ، وَالْبِرْطِيلُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْحَجَرُ الْمُسْتَطِيلُ فَاهُ .
فَأَمَّا إذَا أَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً لِيَكُفَّ ظُلْمَهُ عَنْهُ أَوْ لِيُعْطِيَهُ حَقَّهُ الْوَاجِبَ كَانَتْ هَذِهِ الْهَدِيَّةُ حَرَاماً عَلَى الْآخِذِ ، وَجَازَ لِلدَّافِعِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ يَقُولُ : " { إنِّي لَأُعْطِي أَحَدَهُمْ الْعَطِيَّةَ فَيَخْرُجُ بِهَا يَتَأَبَّطُهَا نَاراً .
قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَلِمَ تُعْطِيهِمْ ؟ قَالَ : يَأْبَوْنِي إلَّا أَنْ يَسْأَلُونِي وَيَأْبَى اللَّهُ لِي الْبُخْلَ } " .
وَمِثْلُ ذَلِكَ : إعْطَاءُ مَنْ أُعْتِقَ وَكَتَمَ عِتْقَهُ ، أَوْ أَسَرَّ خَبَراً ، أَوْ كَانَ ظَالِماً لِلنَّاسِ فَإِعْطَاءُ هَؤُلَاءِ جَائِزٌ لِلْمُعْطِي ، حَرَامٌ عَلَيْهِمْ أَخْذُهُ .
وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ فِي الشَّفَاعَةِ ، مِثْلُ : أَنْ يُشْفَعَ لِرَجُلٍ عِنْدَ وَلِيِّ أَمْرٍ لِيَرْفَعَ عَنْهُ مَظْلِمَةً ، أَوْ يُوَصِّلَ إلَيْهِ حَقَّهُ ، أَوْ يُوَلِّيَهُ وِلَايَةً يَسْتَحِقُّهَا ، أَوْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ ، أَوْ يُعْطِيَهُ مِنْ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ الْفُقَهَاءِ أَوْ الْقُرَّاءِ أَوْ النُّسَّاكِ أَوْ غَيْرِهِمْ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَنَحْوُ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ الَّتِي فِيهَا إعَانَةٌ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ ، أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ ، فَهَذِهِ أَيْضاً لَا يَجُوزُ فِيهَا قَبُولُ الْهَدِيَّةِ ، وَيَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَنْ يَبْذُلَ فِي ذَلِكَ مَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ ، هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ .
وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَجُعِلَ هَذَا مِنْ بَابِ الْجَعَالَةِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ ، فَهُوَ غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْعَمَلِ هُوَ مِنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 174
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٤