عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حَمْلاً وَأُجْرَةُ رَضَاعِهِ .
وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْله تَعَالَى : { يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ } ، فَجَعَلَهُ مَوْهُوباً لِلْأَبِ ، وَجَعَلَ بَيْتَهُ فِي قَوْلِهِ : { وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ } وَإِذَا كَانَ الْأَبُ هُوَ الْمُنْفِقُ عَلَيْهِ جَنِيناً وَرَضِيعاً ، وَالْمَرْأَةُ وِعَاءٌ : فَالْوَلَدُ زَرْعٌ لِلْأَبِ قَالَ تَعَالَى : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } .
فَالْمَرْأَةُ هِيَ الْأَرْضُ الْمَزْرُوعَةُ ، وَالزَّرْعُ فِيهَا لِلْأَبِ ، وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْقِيَ الرَّجُلُ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ } .
يُرِيدُ بِهِ النَّهْيَ عَنْ وَطْءِ الْحَبَالَى ، فَإِنَّ مَاءَ الْوَاطِئِ يَزِيدُ فِي الْحَمْلِ كَمَا يَزِيدُ الْمَاءُ فِي الزَّرْعِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الصَّحِيحِ : { لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ مِنْ قَبْرِهِ ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ ، وَكَيْفَ يَسْتَعْبِدُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ ؟ } .
وَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ لِلْأَبِ وَهُوَ زَرْعُهُ كَانَ هَذَا مُطَابِقاً لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك } .
وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ } فَقَدْ حَصَلَ الْوَلَدُ مِنْ كَسْبِهِ ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ ؛ فَإِنَّ الزَّرْعَ الَّذِي فِي الْأَرْضِ كَسْبُ الْمُزْدَرِعِ لَهُ الَّذِي بَذَرَهُ وَسَقَاهُ وَأَعْطَى أُجْرَةَ الْأَرْضِ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ أَعْطَى الْمَرْأَةَ مَهْرَهَا ، وَهُوَ أَجْرُ الْوَطْءِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } .
وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ } .
وَقَدْ فُسِّرَ { مَا كَسَبَ } بِالْوَلَدِ .
فَالْأُمُّ هِيَ الْحَرْثُ وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي فِيهَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 373
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧٣