تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
الْجِزَارَةَ مَعْرُوفَةٌ ، وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ . وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصِّنَاعَاتِ : كَالْحِيَاكَةِ ، وَالْخِيَاطَةِ ، وَالْبِنَاءِ . وَقَدْ كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَخِيطُ بِالْأُجْرَةِ عَلَى عَهْدِهِ فَيَسْتَحِقُّ هَذَا الْخَيَّاطُ مَا يَسْتَحِقُّهُ نُظَرَاؤُهُ ، وَكَذَلِكَ أَجِيرُ الْخِدْمَةِ يَسْتَحِقُّ مَا يَسْتَحِقُّهُ نَظِيرُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ النَّاسِ . وَأَمَّا " الْأُمُّ الْمُرْضِعَةُ " فَهِيَ نَظِيرُ سَائِرِ الْأُمَّهَاتِ الْمُرْضِعَاتِ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَلَيْسَ لَهُنَّ عَادَةٌ مُقَدَّرَةٌ إلَّا اعْتِبَارَ حَالِ الرَّضَاعِ بِمَا ذُكِرَ ، وَهِيَ إذَا كَانَتْ حَامِلاً مِنْهُ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ اسْتَحَقَّتْ نَفَقَتَهَا وَكِسْوَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ نَفَقَةٌ عَلَى الْحَمْلِ . وَهَذَا أَظْهَرُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } . وَلِلْعُلَمَاءِ هُنَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ نَفَقَةُ زَوْجَةٍ مُعْتَدَّةٍ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ حَامِلاً أَوْ حَائِلاً . وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يُوجِبُ النَّفَقَةَ لِلْبَائِنِ كَمَا يُوجِبُهَا لِلرَّجْعِيَّةِ ، كَقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ ؛ وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وَلَكِنْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَيْسَ لِكَوْنِهَا حَامِلاً تَأْثِيرٌ ، فَإِنَّهُمْ يُنْفِقُونَ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلاً أَوْ حَائِلاً . الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا نَفَقَةَ زَوْجَةٍ ؛ لِأَجْلِ الْحَمْلِ ؛ كَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ . وَهَذَا قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ ؛ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ نَفَقَةُ زَوْجَةٍ فَقَدْ وَجَبَ لِكَوْنِهَا زَوْجَةً ؛ لَا لِأَجْلِ الْوَلَدِ . وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ فَنَفَقَةُ الْوَلَدِ تَجِبُ مَعَ غَيْرِ الزَّوْجَةِ ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى سَرِيَّتِهِ الْحَامِلِ إذَا أَعْتَقَهَا . وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : هَلْ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ ؟ أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . فَإِنْ أَرَادُوا لَهَا مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ . أَيْ لِهَذِهِ الْحَامِلِ مِنْ أَجْلِ حَمْلِهَا فَلَا فَرْقَ . وَإِنْ أَرَادُوا - وَهُوَ مُرَادُهُمْ - أَنَّهُ يَجِبُ لَهَا نَفَقَةُ زَوْجَةٍ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ : فَهَذَا تَنَاقُضٌ ، فَإِنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ . وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ تَجِبُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةٌ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : وَهُوَ الصَّحِيحُ : أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لِلْحَمْلِ ؛ وَلَهَا مِنْ أَجْلِ