الْمَيِّتِ ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ مَنْ يَسْتَعِينُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ كَانَ أَفْضَلَ ، وَأَحْسَنَ ، فَإِنَّ إعَانَةَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ .
وَأَمَّا صَنْعَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَاماً يَدْعُونَ النَّاسَ إلَيْهِ فَهَذَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِدْعَةٌ ، بَلْ قَدْ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ ، وَصَنْعَتَهُمْ الطَّعَامَ لِلنَّاسِ مِنْ النِّيَاحَةِ .
وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَبُّ إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ أَنْ يُصْنَعَ لِأَهْلِهِ طَعَامٌ ، كَمَا { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً ، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ } .
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى الْقُبُورِ ، فَلَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ السَّلَفِ .
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ ، فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ، وَرَخَّصَ فِيهَا فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ ، لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ أَوْصَى أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ دَفْنِهِ بِفَوَاتِحِ الْبَقَرَةِ ، وَخَوَاتِمِهَا .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ أَوْصَى عِنْدَ قَبْرِهِ بِالْبَقَرَةِ ، وَهَذَا إنَّمَا كَانَ عِنْدَ الدَّفْنِ ، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا فَرَّقَ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ حِينَ الدَّفْنِ ، وَالْقِرَاءَةِ الرَّاتِبَةِ بَعْدَ الدَّفْنِ ، فَإِنَّ هَذَا بِدْعَةٌ لَا يُعْرَفُ لَهَا أَصْلٌ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّ الْمَيِّتَ يَنْتَفِعُ بِسَمَاعِ الْقُرْآنِ ، وَيُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَدْ غَلِطَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ } .
فَالْمَيِّتُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يُثَابُ عَلَى سَمَاعٍ ، وَلَا غَيْرِهِ .
وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ، وَيَسْمَعُ سَلَامَ الَّذِي يُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، وَيَسْمَعُ غَيْرَ ذَلِكَ ، لَكِنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَا اُسْتُثْنِيَ .
وَأَمَّا بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ ، وَتُسَمَّى " مَشَاهِدَ " فَهَذَا غَيْرُ سَائِغٍ ؛ بَلْ جَمِيعُ الْأُمَّةِ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ، يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا .
قَالَتْ عَائِشَةُ : وَلَوْلَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 34
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٤