يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ ، لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَلَدِ .
كَمَا جَاءَ مُصَرِّحاً بِهِ فِي الْأَخِ .
فَهَذَا الَّذِي ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ عِلْمٌ مُفَصَّلٌ مُبَيَّنٌ .
فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى } .
{ إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ } ، بَلْ هَذَا حَقٌّ ، وَهَذَا حَقٌّ .
أَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ قَالَ : { انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ } فَذَكَرَ الْوَلَدَ ، وَدُعَاؤُهُ لَهُ خَاصَّيْنِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ كَسْبِهِ ، كَمَا قَالَ : { مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ } .
قَالُوا : إنَّهُ وَلَدُهُ .
وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ } .
فَلَمَّا كَانَ هُوَ السَّاعِي فِي وُجُودِ الْوَلَدِ كَانَ عَمَلُهُ مِنْ كَسْبِهِ ، بِخِلَافِ الْأَخِ ، وَالْعَمِّ وَالْأَبِ ، وَنَحْوِهِمْ .
فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ أَيْضاً بِدُعَائِهِمْ ، بَلْ بِدُعَاءِ الْأَجَانِبِ ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ .
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ } لَمْ يَقُلْ : إنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعَمَلِ غَيْرِهِ .
فَإِذَا دَعَا لَهُ وَلَدُهُ كَانَ هَذَا مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي لَمْ يَنْقَطِعْ ، وَإِذَا دَعَا لَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِهِ ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ .
وَأَمَّا الْآيَةُ فَلِلنَّاسِ عَنْهَا أَجْوِبَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ .
كَمَا قِيلَ : إنَّهَا تَخْتَصُّ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا ، وَقِيلَ : إنَّهَا مَخْصُوصَةٌ ، وَقِيلَ : إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، وَقِيلَ : إنَّهَا تَنَالُ السَّعْيَ مُبَاشَرَةً ، وَسَبَباً .
وَالْإِيمَانُ مِنْ سَعْيِهِ الَّذِي تَسَبَّبَ فِيهِ .
وَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ ظَاهِرُ الْآيَةِ حَقٌّ لَا يُخَالِفُ بَقِيَّةَ النُّصُوصِ .
فَإِنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى } .
وَهَذَا حَقٌّ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ سَعْيَهُ ، فَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُهُ وَيَسْتَحِقُّهُ .
كَمَا أَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَكَاسِبِ مَا اكْتَسَبَهُ هُوَ .
وَأَمَّا سَعْيُ غَيْرِهِ فَهُوَ حَقٌّ ، وَمِلْكٌ لِذَلِكَ الْغَيْرِ ، لَا لَهُ ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِسَعْيِ غَيْرِهِ ، كَمَا يَنْتَفِعُ الرَّجُلُ بِكَسْبِ غَيْرِهِ .
فَمَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ ، فَيُثَابُ الْمُصَلِّي عَلَى سَعْيِهِ الَّذِي هُوَ صَلَاتُهُ ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 31
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١