فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ جَمِيعِهَا بِأَنَّهُ إذَا حَنِثَ لَا يَلْزَمُهُ مَا حَلَفَ بِهِ ؛ بَلْ إمَّا أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .
وَإِمَّا أَنْ تَجْزِيَهُ الْكَفَّارَةُ .
وَيَسُوغُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ .
وَمَا زَالَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُفْتِي بِذَلِكَ مِنْ حِينِ حَدَثَ الْحَلِفُ بِهَا .
وَإِلَى هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ ؛ مِنْهُمْ مَنْ يُفْتِي بِالْكَفَّارَةِ فِيهَا .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُفْتِي بِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا ، وَلَا لُزُومَ الْمَحْلُوفِ بِهِ كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُفْتِي بِلُزُومِ الْمَحْلُوفِ بِهِ .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي الْأُمَّةِ مَنْ يُفْتِي بِهَا بِالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْحَرَامِ وَالنَّذْرِ .
وَأَمَّا إذَا حَلَفَ بِالْمَخْلُوقَاتِ كَالْكَعْبَةِ ، وَالْمَلَائِكَةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي هَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ .
فَالْأَيْمَانُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَمَّا الْحَلِفُ بِاَللَّهِ فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ بِالِاتِّفَاقِ .
وَأَمَّا الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ ؛ إلَّا الْحَلِفَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ، وَقَدْ عَدَّى بَعْضُ أَصْحَابِ ذَلِكَ إلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ .
وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا مَا عُقِدَ مِنْ الْأَيْمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ هَذِهِ الْأَيْمَانُ فَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِي بَعْضِهَا : فَهَذَا كَمَا أَنَّ كَثِيراً مِنْ مَسَائِلِ النِّزَاعِ يَدَّعِي فِيهَا الْإِجْمَاعَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ النِّزَاعَ ، وَمَقْصُودُهُ أَنِّي لَا أَعْلَمُ نِزَاعاً .
فَمَنْ عَلِمَ النِّزَاعَ وَأَثْبَتَهُ كَانَ مُثْبِتاً عَالِماً ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ .
وَإِذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةَ نِزَاعٍ فِي السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ مَنْ أَلْزَمَ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ غَيْرَهُ نَصُّ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ ؛ كَانَ الْقَوْلُ يَنْفِي لُزُومَهُ سَائِغاً بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ قَاضِياً يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ ، وَلَا يَمْنَعَ مُفْتِياً يَصْلُحُ لِلْفُتْيَا أَنْ يُفْتِيَ بِذَلِكَ ؛ بَلْ هُمْ يُسَوِّغُونَ الْفُتْيَا وَالْقَضَاءَ فِي أَقْوَالٍ ضَعِيفَةٍ ؛ لِوُجُودِ الْخِلَافِ فِيهَا ، فَكَيْفَ يَمْنَعُونَ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ الشَّرْعِيُّ ، وَالْقَوْلُ بِهِ ثَابِتٌ عَنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ؛ بَلْ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ثَبَتَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَفْتَوْا فِي الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ الَّذِي هُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الطَّلَاقِ : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْحَالِفَ بِهِ ؛ بَلْ يَجْزِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .
فَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُمْ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ ؟ ، وَهَلْ يُظَنُّ بِالصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِيمَنْ حَلَفَ بِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنْ الطَّاعَاتِ - كَالصَّلَاةِ ، وَالصِّيَامِ ، وَالصَّدَقَةِ ، وَالْحَجِّ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْعَلَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 308
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٨