528 - 130 - مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : " نِكَاحُ الزَّانِيَةِ " حَرَامٌ حَتَّى تَتُوبَ ، سَوَاءٌ كَانَ زَنَى بِهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ : مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى جَوَازِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّلَاثَةِ ؛ لَكِنْ مَالِكٌ يَشْتَرِطُ الِاسْتِبْرَاءَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ الْعَقْدَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ إذَا كَانَتْ حَامِلاً ؛ لَكِنْ إذَا كَانَتْ حَامِلاً لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَضَعَ ، وَالشَّافِعِيُّ يُبِيحُ الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ مُطْلَقاً ؛ لِأَنَّ مَاءَ الزَّانِي غَيْرُ مُحْتَرَمٍ ، وَحُكْمُهُ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ .
هَذَا مَأْخَذُهُ .
وَأَبُو حَنِيفَةَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَامِلِ وَغَيْرِ الْحَامِلِ ؛ فَإِنَّ الْحَامِلَ إذَا وَطِئَهَا اسْتَلْحَقَ وَلَداً لَيْسَ مِنْهُ قَطْعاً ؛ بِخِلَافِ غَيْرِ الْحَامِلِ .
وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ يَشْتَرِطَانِ " الِاسْتِبْرَاءَ " وَهُوَ الصَّوَابُ ؛ لَكِنْ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ يَشْتَرِطَانِ الِاسْتِبْرَاءَ بِحَيْضَةٍ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ هِيَ الَّتِي عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَتْبَاعِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ حِيَضٍ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا الِاسْتِبْرَاءُ فَقَطْ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ زَوْجَةً يَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ ، وَلَيْسَتْ أَعْظَمَ مِنْ الْمُسْتَبْرَأَةِ الَّتِي يَلْحَقُ وَلَدُهَا سَيِّدَهَا ، وَتِلْكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إلَّا الِاسْتِبْرَاءُ ، فَهَذِهِ أَوْلَى .
وَإِنْ قَدَّرَ أَنَّهَا حُرَّةٌ - كَاَلَّتِي أُعْتِقَتْ بَعْدَ وَطْءِ سَيِّدِهَا وَأُرِيدَ تَزْوِيجُهَا إمَّا مِنْ الْمُعْتِقِ وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ - فَإِنَّ هَذِهِ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا .
وَهَذِهِ الزَّانِيَةُ لَيْسَتْ كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ الَّتِي يَلْحَقُ وَلَدُهَا بِالْوَاطِئِ ؛ مَعَ أَنَّ فِي إيجَابِ الْعِدَّةِ عَلَى تِلْكَ نِزَاعاً .
وَقَدْ ثَبَتَ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَصَرِيحِ السُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ : أَنَّ " الْمُخْتَلِعَةَ " لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ ؛ لَا عِدَّةَ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ .
وَذَكَرَ مَكِّيٌّ : أَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ .
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .
فَإِذَا كَانَتْ الْمُخْتَلِعَةُ لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ مُطَلَّقَةً لَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ بَلْ الِاسْتِبْرَاءُ -
الفتاوى الكبرى — صفحة 176
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٦