تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وَالثَّانِي : أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ لَا يَقُولُ بِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، بَلْ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، بَلْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ إذَا صَحَّ النَّقْلُ بِهَا عَنْ الصَّحَابَةِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهَا فِي الْأَحْكَامِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَهَؤُلَاءِ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ : { وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ } وَقَالَ : اسْمُ الرَّضَاعَةِ فِي الْقُرْآنِ مُطْلَقٌ ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ظَنَّ أَنَّهَا تُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَتَقْيِيدُ مُطْلَقِهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ . فَقَالَ الْأَوَّلُونَ : هَذِهِ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَكَوْنُهَا لَمْ تَبْلُغْ بَعْضَ السَّلَفِ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهَا عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ صِحَّتَهَا . وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : فَكَمَا أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِدَلِيلٍ آخَرَ أَنَّ الرَّضَاعَةَ مُقَيَّدَةٌ بِسِنٍّ مَخْصُوصٍ ، فَكَذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِقَدْرٍ مَخْصُوصٍ ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ عُلِمَ بِالسُّنَّةِ مِقْدَارُ الْفِدْيَةِ فِي قَوْلِهِ : { فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ خَبَراً وَاحِداً ، بَلْ كَمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ أَنَّهُ : { لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا } . وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ يُظَاهِرُ الْقُرْآنَ ، وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ ، وَكَذَلِكَ فُسِّرَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَغَيْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِحَمْلِ قَوْلِهِ : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } وَفُسِّرَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أُمُورٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ مَا هُوَ مُطْلَقٌ مِنْ الْقُرْآنِ ، فَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ وَتُبَيِّنُهُ ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ وَالتَّقْيِيدُ بِالْخَمْسِ لَهُ أُصُولٌ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ ، وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ صَدَقَةٌ ، وَالْأَوْقَاصُ بَيْنَ النُّصُبِ خَمْسٌ أَوْ عَشْرٌ أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَأَنْوَاعُ الْبِرِّ خَمْسٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ } .