يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ تَحْرُمُ الرَّضْعَةُ الْوَاحِدَةُ ؟ قَالَ لَا } " .
وَمِنْهَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : { كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ، نُسِخَتْ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ } وَمَا حُجَّتُهُمَا مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ؟ الْجَوَابُ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا يُحَرِّمُ إلَّا خَمْسُ رَضَعَاتٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ ، وَحَدِيثِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَنْ تُرْضِعَهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضاً ، فَيَكُونُ مَا دُونَ ذَلِكَ لَمْ يُحَرِّمْ ، فَيَحْتَاجُ إلَى خَمْسِ رَضَعَاتٍ ، وَقِيلَ : يُحَرِّمُ الثَّلَاثُ فَصَاعِداً وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي الصَّحِيحِ : { لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ } "
قَالُوا مَفْهُومُهُ : أَنَّ الثَّلَاثَ تَحْرُمُ ، وَلَمْ يَحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، قَالُوا : لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ قُرْآنٌ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُتَوَاتِرٍ ، فَقَالَ لَهُمْ الْأَوَّلُونَ مَعَنَا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ مُثْبَتَانِ .
أَحَدُهُمَا : يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ حُكْماً ، وَكَوْنُهُ قُرْآناً ، فَمَا ثَبَتَ مِنْ الْحُكْمِ يَثْبُتُ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ ، وَأَمَّا مَا فِيهِ مِنْ كَوْنِهِ قُرْآناً فَهَذَا لَمْ نُثْبِتْهُ وَلَمْ نَتَصَوَّرْ أَنَّ ذَلِكَ قُرْآنٌ إنَّمَا نُسِخَ رَسْمُهُ ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ ، فَقَالَ أُولَئِكَ : هَذَا تَنَاقُضٌ وَقِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهَا ، لِأَنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ بِالتَّوَاتُرِ كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ، وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا فِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ صَحِيحٌ ، وَأَيْضاً فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ نَفَى قُرْآناً لَكِنْ بَيَّنَ حُكْمَهُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 168
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٨