تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ جَهَرَ بِالنِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَغَيْرِهَا . فَهَلْ يَأْثَمُ ، الْمُنْكِرُ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ أَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ : الْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْبِدَعِ السَّيِّئَةِ ، لَيْسَ مِنْ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ : إنَّ الْجَهْرَ بِالنِّيَّةِ مُسْتَحَبٌّ ، وَلَا هُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ ، فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ سُنَّةَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاعَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ، وَغَيْرِهِمْ . وَقَائِلُ هَذَا يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا عُوقِبَ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ . وَإِنَّمَا تَنَازَعَ النَّاسُ فِي نَفْسِ التَّلَفُّظِ بِهَا سِرّاً . هَلْ يُسْتَحَبُّ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا يَتَلَفَّظُونَ بِهَا لَا سِرّاً وَلَا جَهْراً ؛ وَالْعِبَادَاتُ الَّتِي شَرَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهَا ، وَلَا إحْدَاثُ بِدْعَةٍ فِيهَا . وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ : إنَّ مِثْلَ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ ، مِثْلُ مَا أَحْدَثَ بَعْضُ النَّاسِ الْأَذَانَ فِي الْعِيدَيْنِ ، وَاَلَّذِي أَحْدَثَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ ، فَأَنْكَرَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ . هَذَا وَإِنْ كَانَ الْأَذَانُ ذِكْرَ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ لَمَّا أَحْدَثَ النَّاسُ اجْتِمَاعاً رَاتِباً غَيْرَ الشَّرْعِيِّ : مِثْلَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى صَلَاةٍ مُعَيَّنَةٍ ، أَوَّلَ رَجَبٍ أَوْ أَوَّلَ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ فِيهِ ، وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ . وَلَوْ أَحْدَثَ نَاسٌ صَلَاةً سَادِسَةً يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهَا غَيْرَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ ، وَأَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ . وَأَمَّا قِيَامُ رَمَضَانَ : فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَّهُ لِأُمَّتِهِ ، وَصَلَّى بِهِمْ جَمَاعَةً عِدَّةَ لَيَالٍ ، وَكَانُوا عَلَى عَهْدِهِ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً ، وَفُرَادَى ، لَكِنْ لَمْ يُدَاوِمُوا عَلَى جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ، لِئَلَّا تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ . فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقَرَّتْ الشَّرِيعَةُ ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَمَعَهُمْ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهَا بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، حَيْثُ يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي . عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ } يَعْنِي الْأَضْرَاسَ ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ الْقُوَّةِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 97 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا